مسار التغيير توقف عند نصف الطريق

الاحتجاجات السودانية أثبتت تفوّقها على كافة الانتفاضات الثورية التي شهدتها المنطقة حتى الآن، من حيث مستوى التنظيم والانسجام السياسي.
الأربعاء 2019/06/19
عملية الانتقال الديمقراطية في السودان طويلة ومعقدة

يتمسك الشارع السوداني بأمله في التغيير رغم تعقيدات الوضع والعقبات التي تعترض عملية الانتقال نحو مرحلة جديدة تقطع مع سياسات الماضي وتضع البلاد على سكة مختلفة. وتبدو الطريق نحو تحقيق هذا الأمل طويلة وتتخللها مشادات واختلافات بين قوى المعارضة، المتمسكة بالحكم المدني، والمجلس العسكري الذي يقارب الأزمة من زوايا أخرى تتعلق بالأمن الإقليمي والأجواء المحيطة وعدم خبرة قوى تحالف الحرية والتغيير وتجارب دول عاشت أوضاعا شبيهة، الأمر الذي يجعل مرحلة الانتقال طويلة ومعقدة.

لا يمكن تحديد مدى احتمال نجاح الانتقال إلى حكم ديمقراطي بقيادة مدنية في السودان بعد. ويغيب اليقين في ميل الجيش السوداني -الذي أطاح بنظام الرئيس عمر حسن البشير في أبريل أثناء الانتفاضة الشعبية ضد حكمه الذي دام 30 عاما- إلى إكمال عملية الانتقال الديمقراطي. ويحتاج السودانيون اليوم إلى أمل يؤكد لهم أن المرحلة الانتقالية قادمة، وإن طالت أو تعرج طريقها، ويجيب عن السؤال: السودان في مرحلة انتقالية، لكن نحو ماذا؟

يرى الكاتب والباحث اللبناني وأستاذ معهد الدراسات الشرقية والأفريقية، جلبير الأشقر، أن أفضل أمل يكمن في مواصلة العملية الثورية، وإن كانت نتائجها غير مؤكدة. وبرر ذلك مشيرا إلى مصير الدول التي شهدت موجة انتفاضات شعبية تمكّنت فيها الشعوب من إسقاط رؤسائها وحكامها، مثلما حدث في تونس ومصر قبل أكثر من ثماني سنوات وفي الجزائر قبل السودان بأيام.

دخلت الأزمة في السودان مرحلة جديدة تحاول فيها القوات المسلّحة تفكيك الحركة الشعبية لتتمكّن من التعاطي مع المتغيرات. لكنْ، يرى الأشقر أن الاحتجاجات السودانية أثبتت تفوّقها على كافة الانتفاضات الثورية التي شهدتها المنطقة حتى الآن، من حيث مستوى التنظيم والانسجام السياسي.

ويرجع الأشقر -الذي ألف كتبا عن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وركز في تحليلاته على “الربيع العربي” وما يسميه “الأعراض المرضية” لانتفاضات 2011 العربية- هذا إلى احتواء الحركة الثورية السودانية على قوى تقدمية متباينة مع حركات وأحزاب ذات أيديولوجيات مختلفة.

وعلى عكس مصر وتونس وليبيا واليمن وسوريا، لم يستطع الإسلاميون في السودان افتكاك الانتفاضة لأنهم كانوا يتعاونون مع البشير. من النظرة الأولى للأحداث، يمكن اعتبار السودان نموذجا لنجاح ممارسة قوة الشعب في العالم العربي، لكن النظر بعمق أكثر يكشف أن الأمر ليس كذلك بعد.

وقال الأشقر، الذي يرفض اتباع تقييمات لاحتجاجات الشوارع العربية باعتبارها ربيعا مشابها لذلك الذي شهدته مدينة براغ سنة 1968، إن المنطقة تعيش عملية ثورية طويلة انفجرت بفعل الأزمة الهيكلية التي تعاني منها. وأرجع الانسداد الاجتماعي والاقتصادي إلى الجمع بين الليبرالية الجديدة التي يرعاها صندوق النقد الدولي والأنظمة السياسية التي تفرضها حكومات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا على شعوبها.

المنطقة تعيش عملية ثورية طويلة
المنطقة تعيش عملية ثورية طويلة

لذلك، يرى الأشقر خطأ في اعتبار الانتفاضات الإقليمية “ربيعا”. ويعتقد أن من شأن هذه التسمية أن تشجع الناس على التفكير في الانتفاضة كموسم يستمر بضعة أشهر لينتهي بالتغييرات الدستورية أو بالفشل. من هذا الجانب الكئيب، يبدو الكفاح الصامت قدر هذه المنطقة، مع ناس عاديين يجبرون على خوض معركة ضد دولة صلبة. فهل يعني هذا عدم أهمية احتجاجات السودان؟

مستقبل النزاع

على الرغم من توقعات الأشقر المتشائمة، تحمل احتجاجات السودان ثلاثة عناصر تميزها عن الاحتجاجات الإقليمية الأخرى.

- أولا، رفض المحتجون إخلاء الساحات العامة بعد الاحتفال بسقوط نظامهم الحاكم. بعد تعلمهم من تجربة مصر، بقي السودانيون ملتزمين بمطالبهم وسعيهم إلى افتكاك السلطة ومنحها إلى المجتمع المدني عبر وسائل ديمقراطية مثل الانتخابات. مازالوا يعملون على ذلك، وإن كان بطريقة تمنح الجيش فرصة للتعاون.

- ثانيا، ركّز المحتجّون على ضرورة الحفاظ على تحرّك سلمي. في الموجة الأولى من الاحتجاجات التي بدأت سنة 2011، هتف المتظاهرون “سلمية، سلمية” للدلالة على طبيعة احتجاجاتهم. لكن، بقي السودانيون حريصين على عدم استفزاز القوى العسكرية حتى لا يعطوها مبررا لشن حملة قمع واسعة. لم ينجح تجنب النزاع المباشر؛ ففي 3 يونيو، نفذت القوات الحكومية هجوما واسع النطاق على الاعتصام في الخرطوم بعد أسابيع من توقف المفاوضات بين المجلس العسكري وجماعات المعارضة بشأن تشكيل حكومة انتقالية بقيادة مدنية. وقتل أكثر من 100 شخص وأصيب المئات. وقرر المجلس العسكري حجب الإنترنت عن السودان.

وأكد مقرر الأمم المتحدة الخاص المعني بتعزيز وحماية الحق في حرية الرأي والتعبير، ديفيد كاي، أن الممارسات مثلت انتهاكا واضحا للقانون الدولي، مشددا على ضرورة الوصول إلى المعلومات لضمان مصداقية العملية الانتخابية.

دخلت الأزمة في السودان مرحلة جديدة تحاول فيها القوات المسلّحة تفكيك الحركة الشعبية لتتمكّن من التعاطي مع المتغيرات

- ثالثا، بقي الشارع السوداني حذرا من التدخل الأجنبي. ويبقى هذا الحذر معقولا نظرا إلى وضع ليبيا التي انهارت بعد أحداث 2011، بعدما تدخلت قوات أجنبية (الولايات المتحدة وحلفاؤها) لتشارك في النزاع. ساهم تواجد العناصر الأجنبية في تواصل نزاع مسلح محلي تدعم مختلف الأطراف الخارجية المتباينة الجماعات المشاركة فيه.

يبقى مستقبل النزاع في السودان غير واضح، ولم يحدد المحللون ما إذا سيبقى الصراع في هذا البلد الأفريقي خاليا من الأطراف غير المحلية والتدخلات الخارجية. وفي 12 يونيو، أرسلت الولايات المتحدة مساعد وزير الخارجية الأميركي للشؤون الأفريقية، تيبور ناجي، إلى الخرطوم. كما عينت وزارة الخارجية السفير المتقاعد دونالد بوث مبعوثا خاصا لها إلى السودان، رافق ناجي في رحلته. ويطالب محللون أميركيون مثل جيسون بلازاكيس -وهو مسؤول سابق في وزارة الخارجية- بمشاركة أميركية أكبر. لكن، تبقى الوساطة الإثيوبية أفضل طريق لحلّ أزمة السودان.

وأجرى رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد محادثات منفصلة مع المجلس العسكري وزعماء قوى إعلان الحرية والتغيير، وشدد في بيانه على ضرورة تصرف الجيش والشعب والقوى السياسية بـ”شجاعة ومسؤولية” في اتخاذ خطوات سريعة لتحقيق فترة انتقالية ديمقراطية توافقية في البلاد. لكن، مهما كان المسار المتبع، لن تكون العملية الانتقالية في السودان قصيرة.

7