مسار الغفران

الثلاثاء 2014/06/10

هل يكون الحديث عن الغفران عادة من باب الضعف أم القوّة؟ مَن يستطيع أن يغفر للآخر ومتى وكيف؟ ألا يكون مسار الغفران في بعض الحالات طريق الإنسان نفسه على درب آلامه؟ ما الذي يؤسّس للغد ويقود الساعين إلى التأسيس لعصر جديد وزمن مختلف: الذاكرة؟ التاريخ؟ النسيان؟ الغفران؟

لا يخفى أنّ الذاكرة تحتفظ بكثير من الوقائع التي تبعث على الألم، ولا سيّما أنّ الإنسان لا يستطيع تناسي الأذى الذي يلحق به، وكما يقول المثل “الأسى لا يُنتسى”، في إشارة إلى الحضور الرمزيّ للذاكرة في تأليب المرء على مصدر الإساءة، وتحريضه على الانتصار لنفسه بطريقة أو بأخرى، وذلك مع الأخذ بعين الاعتبار تضخّم المأساة أو تحجّمها بالتقادم.

حاول الفرنسي بول ريكور (1913 – 2005) وضع حجر الأساس للانطلاق نحو الغد بأقلّ حمولة ممكنة من الضغائن، وأكثر قدر ممكن من الوعي والمسؤوليّة. وذلك في كتابه “الذاكرة، التاريخ، النسيان”، ويعتقد أنّ المرء كي يستطيع أن يسرد حياته أو حتى أيّ رواية لا بدّ أن يلجأ إلى ذاكرته، غير أنّ الذاكرة لا تستطيع أن تستوعب كل تجربته.

يعود ريكور في حديثه عن الذاكرة إلى التراث اليوناني ليؤكّد على اللغز الذي تكشفه الذاكرة، وهو أنّها كما يقول أرسطو تنتمي إلى الماضي، واللغز هو أن هذا الماضي هو حاضر الآن كأمر سبق فحدث. ويجد أنّ لغز الذاكرة هو في هذا الأثر المحفوظ والمنقوش الذي يبقى، فيصبح الماضي معه هو حاضر كماض انقضى ولم يعد. والذكرى تعود كصورة ليس كإشارة عن ذاتها بل عن شيء آخر غائب، كأثر باقٍ لأمر ليس حاضرا.

كما يجد أنّ مسار الغفران حين يعود إلى مكان أصله، وحين يتمّ الاعتراف بالذات في مقدرتها الأخلاقية الأساسية على تحمّل التبعة، يغدو السؤال هو عن أي نظرة تسمح لنا تأمّلاتنا حول فعل الغفران بأن نلقيها على مجمل الدرب التي اجتزناها؟ وما هو أمر الذاكرة والتاريخ والنسيان وقد لامستها روح الغفران؟

عن أيّ غفران يمكننا أن نتحدّث وما يزال النزف مستمرّا؟ لأيّ ذاكرة يمكن أن نؤسّس والمستقبل مفخّخ بالأحقاد؟ كيف يمكن أن نقنع أنفسنا كضحايا وشهود ولاسيّما أنّ التاريخ يوجب التذكّر وأنّ الغفران يوجب النسيان..؟ هل تستطيع الذاكرة الخروج من الحزن والشقاء والعذاب إلى التسامح والغفران؟ لا شكّ أنّه مسار مفعم بالألغام والحطام والآمال، والتناقض الجليّ يكمن في أنّه قد “يرضى القتيل وليس يرضى القاتل”..!


كاتب من سوريا

15