مسار غامض لطريق الحرير في محطته الكويتية

عوائق اقتصادية وسياسية وأخلاقية في طريق مشروع ضخم يتبناه نجل أمير الكويت.
الثلاثاء 2019/03/19
هل يتبخر حلم هونغ كونغ الكويتية الذي يسعى الشيخ ناصر لتحقيقه

الاعتراضات التي تواجه المشروع الكويتي الضخم لتطوير منطقة الشمال تشمل أسبابا “دينية وأخلاقية” كما يقول المعترضون، في انعكاس للسطوة التي ما تزال تحظى بها قوى محافظة في الكويت، ومن ضمنها تيارات الإسلام السياسي، ومدى تأثيرها الذي يشمل المجالين السياسي والاجتماعي ولا يستثني المجال الاقتصادي.

الكويت - اصطدم أضخم مشروع تنموي كويتي بعوائق اقتصادية وسياسية وحتّى “أخلاقية”، تهدّد بنسف مساعي الكويت لتنويع مصادر دخلها والفكاك من الارتهان لعائدات النفط، كما تهدّد الدور الذي سعى البلد للقيام به كمحطة رئيسية في مسالك “طريق الحرير الجديد” الذي تريد الصين مدّه صوب عدد من مناطق العالم.

وتبنّى الشيخ ناصر الصباح نجل أمير البلاد، والذي يشغل منصبي وزير الدفاع والنائب الأوّل لرئيس الوزراء، مشروع تطوير مجموعة الجزر الواقعة بشمال البلاد وإنشاء مدينة بالغة التطوّر والحداثة تحمل اسم مدينة الحرير بالشراكة مع الصين باستثمارات تصل إلى 500 مليار دولار سعيا لتحقيق دخل سنوي بـ40 مليار دولار وتوفير 200 ألف وظيفة للكويتيين الذين تتزايد طلباتهم على سوق الشغل.

وسياسيا، يلبي المشروع بأبعاده الضخمة، مطامح الشيخ ناصر إلى وضع بصمته في تحقيق نقلة نوعية بالكويت بعد أن سجّل بحصوله على المنصبين الهاميّن، قبل نحو سنتين، قفزة نوعية نحو مقدّمة المشهد السياسي بالكويت.

وسبق للشيخ ناصر أن وصف المشروع بأنه “هونغ كونغ جديدة”، معلنا عن وجود دراسة لدمج الجزر المزمع تطويرها مع مدينة الحرير بالتعاون مع الصين لجعلها منطقة دولية.

وفشل الطاقم المكلّف بإنجاز تصوّر عملي للمشروع في بلورة رؤية واضحة بشأنه لطرحها للنقاش مع نواب مجلس الأمّة (البرلمان) تمهيدا لإنجاز القانون المتعلّق  بالمشروع. وبمجرّد عرض الشيخ ناصر لمذكرة أمام اللجنة المالية بشأن المنطقة الاقتصادية الشمالية، تحوّل من متزّعم للمشروع الحلم إلى مهدّد بالاستجواب أمام مجلس الأمّة، وهو ما لوّح به نواب أعضاء في اللّجنة.

نواب كويتيون يعارضون احتواء مدينة الحرير على مراقص ومحلات لبيع الخمور ودور عبادة لغير المسلمين والمسيحيين

واستجواب وزير من الأسرة الحاكمة له وقع سياسي خاص في الكويت. وكثيرا ما كانت الاستجوابات النيابية لأعضاء الحكومة الكويتية مصدر أزمات سياسية حادّة وصلت في أحيان كثيرة إلى حلّ الحكومة وإبطال البرلمان، وهو ما تريد السلطة في الكويت تفاديه مستقبلا وتحرص على عدم تكراره.

وهاجم النواب الرؤية التي عُرضت عليهم بشأن المشروع من زاوية ضبابيتها وغموضها وخلوّها من الأرقام والتفاصيل العملية، معتبرين أن تنفيذ المشروع الضخم وفق الطريقة المعروضة من شأنه أن يحوّله إلى “دولة داخل الدولة”.

وقال النائب الحميدي السبيعي “لم يُقدم لنا مشروع واضح المعالم بل مجرد معلومات شفهية، ولم تكن هناك استراتيجية واضحة وملموسة”.

لكنّ الخطّ الأحمر الحقيقي الذي رُسم في طريق المشروع هو الطعن في دستوريته، والتحذير من تجاوزه على “القيم الأخلاقية والاجتماعية” للكويتيين.

وقال رئيس اللجنة المالية النائب صلاح خورشيد إنّ أعضاء اللّجنة “شددوا على ضرورة عدم مخالفة الدستور والتقاليد العامة لأي قانون سيتم طرحه”، مضيفا “نحن مع مشاريع تنموية لتنويع مصادر الدخل لا تخالف مواد الدستور والتقاليد العامّة”.

كما أوردت صحيفة الرأي المحلية قول النائب عبدالكريم الكندري بشأن المشروع “لا مساس بالثوابت ولا مساس بالدستور ولا مساس بالمشاريع الصغيرة وحرية التجارة ومنع الاحتكار”.

أمّا النائب رياض العدساني فأرجع رفضه للرؤية المطروحة بشأن “مشروع تطوير الجزر ومدينة الحرير لوجود مواد محظورة تخالف الشريعة والدستور والعادات والتقاليد”، قائلا “أنا مع تطوير البلد ولكن دون المساس بالثوابت الإسلامية والدستور، وفي حال تقديم نفس المواد المحظورة سأستجوب النائب الأول ووزير الدفاع”.

ويتضمّن مشروع مدينة الحرير الكويتية استثمارات في مجال الترفيه والسياحة بكلّ ما يتطلّبه ذلك من مرافق ومنشآت، لكنّ المعترضين على المشروع يعبّرون صراحة عن رفضهم أنّ تحوي المدينة المزمع إنشاؤها مراقص ومحلاّت لبيع الخمور، بل حتّى دور عبادة لغير المسلمين والمسيحيين، مثلما عبّر عن ذلك النائبان ماجد المطيري وخليل أبل.

ورغم صعود جيل شابّ في الكويت ميال للتحرّر والفكاك من الضوابط الأخلاقية والدينية الصارمة، إلاّ أنّ الحياة الاجتماعية والسياسية في الكويت ما تزال واقعة في الكثير من جوانبها تحت تأثير تيارات إسلامية ميالة للحفاظ وللتشدّد في الكثير من الأحيان، بعد أن تمكّنت تلك التيارات خلال العشرية الماضية من التسرّب إلى مؤسسات الدولة، ومجلس الأمّة أحدها، واستخدامها في نشر رؤاها وتعاليمها وفي ممارسة ضغوطها على الدولة والمجتمع.

وبتجاوز العوائق الداخلية أمام إنجاز “الحلقة الكويتية” من طريق الحرير يطرح مراقبون تساؤلا بشأن المدى الذي تستطيع الكويت أن تبلغه في تعاونها مع الصين، دون مساس بالعلاقة بالغة المتانة بالولايات المتّحدة التي لن تنظر بعين الرضا لفتح الكويت مجالها واسعا أمام بكين المنافس الأشرس لواشنطن في أكثر من مجال.

3