مساعي حكومة أردوغان الحثيثة للسيطرة على الإعلام

الأربعاء 2014/01/08
حكومة أردوغان تقصي الصحفيين المعارضين لها

إسطنبول - لقد شهدت الجمهورية التركية في الفترة الحالية من ولاية حزب الحرية والعدالة تحولا كبيرا فيما يخص الإعلام وذلك تحت إدراة مباشرة من الحكومة التي اتخذت مجموعة من الإجراءات في محاولة منها للسيطرة عليه من خلال تقوية القنوات الإعلامية الموالية لها وإقصاء الإعلام والإعلاميين المعارضين.

ما أعاد فتح هذا الملف مرة أخرى هو اللقاء الأخير الذي جمع رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان، السبت الفائت، بخمسة وأربعين صحفياً، وتبعا للتقارير فإن الصحفيين الذين يعملون في وسائل الإعلام التي انتقدت الحكومة على إثر فضيحة الفساد لم يكونوا من بين المدعوين للحضور. إضافة إلى القرار الذي أصدرته الخطوط الجوية التركية الذي يقضي بمنع توزيع بعض الصحف على متن طائراتها في درجة رجال الأعمال، حيث شمل القرار عدد من الصحف منها صحيفة «زمان» و«بوغون» و«ميلييت» و«وطن» الناطقة بالتركية إضافة إلى صحيفة «توداي زمان» الناطقة بالإنكليزية، وأيضا قرار الشرطة التركية بمنع الصحفيين من دخول مبانيها.

وتستخدم الحكومة، وفقاً للمحللين، عدة إستراتيجيات أولها دفع رجال الأعمال الموالين لها إلى شراء وسائل الإعلام التي تمت مصادرتها من قبل صندوق تأمين ودائع التوفير وذلك مقابل منحهم مزايا تشجيعية في المناقصات الحكومية، وأقرب مثال لهذه الاستراتيجية هي قيام مجموعة من الشركات التجارية في مايو الماضي بشراء مجموعة «أكشام» الإعلامية إضافة إلى تلفزيون «سكاي تورك» ورايديو العالم، لتفوز هذه الشركات في وقت لاحق بمناقصة إنشاء المطار الثالث في إسطنبول الذي يعتبر من أضخم مطارات الشرق الأوسط وأوروبا.

أما الاستراتيجية الثانية فهي مهاجمة وطرد الصحفيين والكتاب المعارضين لها، بعد أحداث حديقة غيزي وحتى فضيحة الفساد الأخيرة، وقامت الحكومة التركية بحملة تطهير واسعة في الإعلام التركي طالت الكثير من المواقع الالكترونية والصحفيين البارزين الذين انتهجوا خطا معارضا لها، وذلك في ظاهرة أصبحت جلية، أدت إلى إقالة المديرالعام للتفزيون والراديو التركي الحكومي المقرب من «حركة الخدمة» في ديسمبر الفائت، وأيضا الكثير من الكتاب فعلى سبيل المثال فقدت الكاتبة «ناظلي إلجاك» عملها في جريدة صباح الموالية للحكومة إثرمقال لها تهاجم فيه أردوغان، فأكدت في مقابلة أجرتها معها صحيفة زمان التركية قائلة: «عندما قررت الصحيفة إقالتي، تم إبلاغي بأن السبب هو التعارض في الأفكار، حيث أني لم أكن أسير مع الخط التحريري للصحيفة» وتبعا لإلجاك فإن القرار بطبيعة الحال لم يصدر عن رئاسة الوزراء بل عن إدراة التحرير التي تسعى إلى الحفاظ على مصالح أردوغان.

ومن ناحية أخرى، عند تتبع أدوات الحكومة في إدارة الرأي العام فهي تنحصر في نقطتين أولاها اختلاق قصص ليس لها أي دليل كانت آخرها القصة التي اختلقتها قناة إخبارية موالية للحكومة في محاولة للتغطية على فضيحة الفساد حيث زعمت بأن الولايات المتحدة الأميركية قد رصدت 25 مليار دولار لزعزعة الاستقرار الاقتصادي التركي وذلك بدون ذكر أي أدلة أو مصادر، أماالنقطة الثانية فهي بناء الشارع التركي على فكرة المؤامرة المبنية على عداء تاريخي وحرب أزلية يشنها الغرب والأميركان وإسرائيل على تركيا منذ الامبراطورية العثمانية في محاولة لمنع قيام دولة مسلمة عظمى ذات اقتصاد قوي وإرادة مستقلة. يبدو بأن الحكومة التركية نجحت في ملء الفراغ الذي خلفته الوصاية العسكرية، حيث أنها تتخذ الإجراءات ذاتها التي كانت تستخدمها منظمة «إرجينيكون» السرية التي كانت مكونة من ضباط الجيش ومثلت الدولة العميقة إبان عصر الانقلابات التركية، والتي تهدف إلى السيطرة على وسائل الإعلام من أجل تشكيل المفاهيم العامة وتكون الرأي العام وفق رغباتها ومصالحها. ويؤكد المحللون بأن الحكومة تحولت إلى النظام الذي يخدمه الشعب، بدلا أن تكون النظام الذي يخدم الشعب، وذلك في مسعى منها للبقاء في الحكم إلى الأبد على غرار النموذج التركماني أو الأوزبكي.

لكن هناك من ينفي هذه الفكرة مبرراً بأنه لم يعد من الممكن السيطرة على الرأي العام في ظل وجود مواقع التواصل الاجتماعي، كما أن امتلاك أدوات إعلامية ضخمة هي إحدى وسائل لعبة الديمقراطية التي لا بد منها.

12