مساعٍ كويتية لإيجاد هوامش تخفّف من أزمة السيولة

تضارب الآراء بين الحكومة والبرلمان بشأن جدوى السحب من احتياطي الأجيال.
الأربعاء 2021/02/24
مكاسب الأجيال في مهبّ رياح المناورات الاقتصادية

تسعى الكويت للبحث عن هوامش تحرّك لتغطية عجز الميزانية عبر سحب أصول من صندوق الأجيال. وتدافع الحكومة عن مشروعها بالقول إنه مؤقت للتمكن من الوفاء بالتزاماتها إلا أنها تصطدم بالرفض البرلماني الذي يقف حجر عثرة أمام برنامجها. ويعتبر برلمانيون أن القرار سيستنزف احتياطي الأجيال ويحمّل الدولة تكلفة تفوق كلفة الاقتراض الخارجي لتغطية النفقات العامة.

الكويت - تحاول الكويت تغطية عجز الميزانية العامة من خلال مبادلة بعض الأصول والسحب من صندوق الثروة السيادي، في وقت تدفع فيه المواجهة بين الحكومة والبرلمان مجلس الوزراء للبحث عن تدابير لتخفيف حدة الأزمة المالية التي تعيشها البلاد، فيما لا تزال الإصلاحات الهيكلية لا تحرز تقدما واضحا.

وقدم مجلس الوزراء هذا الأسبوع مشروع قانون للبرلمان من شأنه أن يسمح للحكومة بسحب ما يصل إلى خمسة مليارات دينار (16.53 مليار دولار) سنويا من صندوق الثروة السيادية للبلاد، المعروف بصندوق الأجيال القادمة وتديره الهيئة العامة للاستثمار، والذي لم تلجأ إليه الحكومة إلا مرة واحدة وكان ذلك خلال حرب الخليج الأولى.

ورغم أن القانون قد لا ينال موافقة البرلمان إلا أن مصادر حكومية قالت إن اللجوء إلى صندوق الأجيال القادمة لا يمثل حلا للمشكلة المالية ولا يلبي احتياجات الميزانية في الأمد الأطول، لكنه قد يمنح الحكومة بعض الوقت لإيجاد سبل لإجراء إصلاحات اقتصادية ضرورية.

وفي خضم رفض برلماني دافع وزير المالية الكويتي خليفة حمادة عن مشروع القانون بقوله، إن “الإجراء مؤقت للوفاء بالتزامات الحكومة”. ولكن البرلمان يعتبر أن القرار سيزيد من الضغوط على مكاسب الأجيال ويعرضها لمخاطر استنزاف الأصول.

وقال وزير المالية في بيان صحافي، تلقت رويترز نسخة منه، إن “إصدار السندات والسحب المنظم والمحدود من صندوق الأجيال ليست حلولا إصلاحية بل إجراءات مؤقتة يجب اتخاذها للوفاء بالالتزامات الفورية المتمثلة في الرواتب والدعوم التي تشكل أكثر من 71 في المئة من إجمالي إنفاق الدولة”. وأضاف أن إتاحة الخيار للحكومة في السحب “لن تؤثر على نمو صندوق الأجيال”.

16.53 مليار دولار قيمة الأصول التي تريد الحكومة سحبها من صندوق الأجيال سنويا

وقال إن القانون هو أحد الحلول المقدمة ضمن حزمة من القوانين تشمل إقرار قانون الدين العام وتنفيذ إصلاحات مالية “وكلنا ثقة بتعاون مجلس الأمة لتجاوز العقبة.”

ومضى قائلا “الحلول السهلة والمتاحة لتعزيز السيولة قد استنفدت، وهي بيع الأصول المدرة للدخل من صندوق الاحتياطي العام إلى صندوق الأجيال القادمة، ووقف استقطاع نسبة 10 في بالمئة المتمثلة في حصة صندوق الأجيال القادمة من إجمالي الإيرادات الفعلية للموازنة”.

وفي العادة فإن أي دعوات حكومية للإصلاح الاقتصادي وترشيد الإنفاق الحكومي، لاسيما على دعم السلع والخدمات، تواجه معارضة شديدة من نواب البرلمان بمن فيهم النواب المؤيدون للحكومة.

وقال الوزير في بيانه إن “الإجراءات الفورية والعاجلة يجب أن تصاحبها إصلاحات اقتصادية ومالية جذرية تسهم في تقليل المصروفات وزيادة الإيرادات غير النفطية”. وأضاف قائلا “كلنا ثقة بتعاون مجلس الأمة لتجاوز هذه العقبة، حيث أن كل يوم تؤجل فيه الإصلاحات الاقتصادية يضاعف العقبة تعقيدا”.

وتواجه الدولة الخليجية الغنية بالنفط، التي تضررت بشدة جراء هبوط أسعار الخام وتداعيات جائحة كورونا، مخاطر تتعلق بالسيولة في الأمد القريب ترجع إلى حد كبير إلى عدم سماح مجلس الأمة (البرلمان) للحكومة بالاقتراض.

وأفاد مصدر حكومي لرويترز بأن “خمسة مليارات (دينار) لن تحلّ المشكلة. الحكومة يجب أن تحلّ المشكلة عبر الإجراءات الأخرى.. هذا لا يشكل بديلا عن قانون الدين العام الذي يجب أن يقرّه البرلمان”. وأضاف أن “الحكومة ليست لديها خيارات أخرى غير المضي في خطوات الإصلاح الاقتصادي”.

وقال المصدر إن الخطوات الحكومية لحل مشكلة العجز المالي، الذي يُقدر بنحو 40 مليار دولار في السنة المالية 2021 – 2022، تتمثل في أربع سياسات ستعمل عليها خلال الفترة المقبلة، وهي خفض الإنفاق الحكومي وزيادة الإيرادات غير النفطية وإقرار قانون الدين العام ثم الاستعانة بصندوق الأجيال القادمة في حال وجود عجز بعد تطبيق كل هذه الخطوات.

Thumbnail

وأضاف أن اللجوء للصندوق “هو جزء من التمويل وليس الأسلوب الوحيد. إنها طريقة لكي تعطيك بعض الوقت لكن لا يمكن أن تستمر للأبد في ظل عجز 12 مليار دينار في الميزانية العامة، لاسيما أن هذا.. سيستمر لسنوات طويلة”.

وأوضح المصدر الحكومي أن صندوق احتياطي الأجيال القادمة حوّل خلال الشهور القليلة الماضية لصندوق الاحتياطي العام، وهو صندوق حكومي أصغر يستخدم لسد العجز ما بين ستة إلى سبعة مليارات دينار.

ومن ذلك المبلغ، كانت أكثر من أربعة مليارات دينار مقابل مبادلة أصول من صندوق الاحتياطي العام، فيما تمت إعادة المليارين الآخرين لصندوق الاحتياطي العام إثر إقرار قانون العام الماضي أوقف التحويل السنوي الإلزامي لنسبة عشرة في المئة من إيرادات الدولة إلى صندوق الثروة السيادية.

وتابع المصدر أن مبادلة الأصول مستقبلا قد تلقى رفضا من الهيئة العامة للاستثمار التي تملك أصولا أجنبية تزيد قيمتها عن 580 مليار دولار بنهاية العام الماضي وفقا لوكالة فيتش للتصنيف الائتماني، لأنها تعني “أنك تسحب من صندوق الأجيال القادمة” دون الاعتراف بذلك.

وتشكل أصول الهيئة معظم مركز صافي الأصول السيادية الأجنبية للكويت البالغة 652 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي.

وقال حسنين مالك، رئيس استراتيجية الأسهم في شركة تيليمر، “إن الإخفاق في إدارة المالية العامة للحكومة بكفاءة لن يؤدي إلى أزمة اقتصادية، لأن صندوق الثروة السيادي كبير جدا، لكنه يقلص التوقعات بشأن ما يمكن أن تحققه الدولة بشكل أكبر بخلاف عائدات النفط”.

مرزوق الغانم: تكلفة تسييل احتياطي الأجيال أكبر من الاقتراض
مرزوق الغانم: تكلفة تسييل احتياطي الأجيال أكبر من الاقتراض

وقال مرزوق الغانم، رئيس مجلس الأمة في تصريحات صحافية الثلاثاء، إنه لا يعتقد أن مشروع القانون الذي قدمته الحكومة بشأن السحب من صندوق احتياطي الأجيال القادمة سيتم إقراره في البرلمان، ووصفه بأنه “في غاية الخطورة”.

ويرى مراقبون أن الحكومة أمام تحديات غير مسبوقة، حيث يتعين عليها التصرف في الآجال الضيقة لإيجاد حل لأزمة السيولة غير أن الرفض البرلماني والجدل الشعبي يطيلان عمر الأزمة التي تستنزف زمن الإصلاح الاقتصادي وتقلص هوامش التحرك.

وقال “إنه يتعلق بثروة لا نملكها نحن الجيل الحالي”. وأضاف الغانم أن “تكلفة تسييل الاستثمارات الموجودة في احتياطي الأجيال القادمة أكبر بكثير على الدولة مقارنة مع الاقتراض من الأسواق”.

وتابع أن “تكلفة اقتراض خمسة مليارات دينار من الأسواق العالمية اليوم ستكون بحدود 75 مليون دينار بينما تكلفة تسييل الاستثمارات ستكون بحدود 300 مليون دينار.. لماذا أذهب لأسيل أصولا تأتي بعوائد ستة أو سبعة أو ثمانية في المئة بدلا من أن أقترض بواحد في المئة؟، من الناحية المالية والاقتصادية لا أعتقد أن هذا هو الخيار الأفضل”.

ويرى خبراء أن عدم موافقة البرلمان على قانون السحب من صندوق الأجيال قد يزيد الجمود التشريعي الكويتي بشأن الموافقة على قانون الدين العام الذي سيسمح للبلاد بالاقتراض.

وأوقف مجلس الأمّة الكويتي (البرلمان) مرارا مشروع قانون الدين العام الذي من شأنه أن يسمح للكويت بطَرْق أبواب أسواق الدين العالمية، لكن هذه المسألة صارت مُلحّة بعد أن فرض انخفاض أسعار النفط وتفشي وباء كورونا ضغوطا على المالية العامة وأديا إلى استنفاد سريع للاحتياطيات النقدية المتاحة.

وحذّر النائب عبدالله جاسم المضف في تغريدة على تويتر الحكومة من خطورة الذهاب إلى خيار السحب المنتظم من صندوق الثروة السيادية، قائلا “لن نسمح بيد تمدّ على ثروة أجيالنا القادمة تحت أي مبرّر”، فيما وصف النائب يوسف الفضالة مشروع التعديل القانوني بأنّه “حلقة متكررة من سلسلة مشاريع فاشلة لمعالجة الأوضاع الاقتصادية في البلاد”، محذّرا في تغريدة عبر تويتر من الدخول “في أزمة دون أدنى جهد وعمل حقيقي لمعالجة أزمة السيولة الحالية بشكل خاص، والاختلالات المالية بشكل عام”.

10