مساع جديدة لتغيير النظام الانتخابي في تونس: محاولة جدية أم تموقع سياسي جديد

مبادرة حزب التيار الديمقراطي لتغيير النظام الانتخابي وإجراء حوار وطني هي محاولة منه لإعادة التموقع والعودة إلى الواجهة بعد أن ضعف بسبب خروجه من الحكم.
الجمعة 2020/10/23
طرح جدي لأسباب الأزمة أم للبروز مجددا؟

بالرغم من مرور أكثر من ثماني سنوات على تنظيم العملية الانتخابية، إلا أن الأحزاب التونسية ما انفكت تتعرّف على عيوب النظام الانتخابي، حيث أطلق حزب التيار الديمقراطي مبادرة لتغيير المنظومة الانتخابية التي عدّد مساوئها أمينه العام غازي الشواشي وسط تساؤلات عن جدية مبادرته ومدى نجاعتها في هذا الظرف.

تونس- يثير إعلان حزب التيار الديمقراطي في تونس عن إطلاق مبادرة لتغيير المنظومة الانتخابية تساؤلات بشأن مدى جدية هذا التحرك خاصة وأن النظام الانتخابي في البلاد لا يزال محل جدل دائم بين الأطراف السياسية.

وقال الأمين العام للحزب المنتخب حديثا غازي الشواشي، إن التيار الديمقراطي “أطلق مبادرة لتغيير النظام الانتخابي.. إن بقاء هذا النظام سيفرز نفس المشهد البرلماني الموجود في الوقت الراهن”.

وأعلن الشواشي كذلك عن مبادرة أخرى لإطلاق حوار وطني يتطرق إلى الجوانب الاقتصادية والاجتماعية في البلاد تحت رعاية وإشراف الرئيس قيس سعيد إذا قبل دعوة التيار على حد تعبيره.

وأثار هذا الإعلان الذي جاء في ندوة صحافية عقدها الحزب، الأربعاء، ردود فعل مختلفة، لكن يبقى أبرزها رد الأمين العام لحركة مشروع تونس محسن مرزوق، الذي شنّ هجوما عنيفا على التيار، متهما إياه بـ”الاستيلاء” على مبادرته على حد تعبيره. وبنبرة فيها الكثير من السخرية قال مرزوق “إنني أدعو التيار إلى إطلاق مبادرة جديدة لاكتشاف أن الأرض دائرية الشكل”.

وبصرف النظر عن التراشق بالاتهامات بين الجانبين، فإن المؤكد أن تغيير النظام الانتخابي ليس مطلبا وليد اللحظة في تونس حيث سبق أن طرح يوسف الشاهد، رئيس الحكومة الأسبق، مشروع قانون من خلال كتلته البرلمانية التي انشقت عن حزب نداء تونس من أجل إجراء تعديلات كبيرة على القانون الانتخابي.

هشام العجبوني: المال السياسي المشبوه لبعض الأحزاب سمم العملية الانتخابية
هشام العجبوني: المال السياسي المشبوه لبعض الأحزاب سمم العملية الانتخابية

وبالفعل، زكى البرلمان في عهدته السابقة هذا القانون لكن الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي رفض آنذاك ختمه (توقيعه والدخول حيّز التنفيذ) بحجة أنه يؤسس للإقصاء.

ويُثير تحرك حزب التيار الديمقراطي في هذا الظرف بالذات تساؤلات عن جدية المبادرة التي سيطلقها ومآلاتها خاصة أنها تأتي في وقت يضعف فيه الحزب بسبب خروجه من الحكم، وهو ما يرى فيه مراقبون محاولة منه لإعادة التموقع والعودة إلى الواجهة.

وكان الأمين العام السابق للحزب محمد عبو، قد استقال قبل أسابيع وذلك بعد مغادرته الحكومة مباشرة ليعقد التيار الديمقراطي اجتماعا موسعا هذا الشهر أفرز الشواشي أمينا عاما له.

وقال الشواشي إن “المشهد البرلماني الحالي ‘التعيس’ يجب تجاوزه”، في إشارة على ما يبدو إلى حالة التشرذم التي يعرفها مجلس النواب (البرلمان) بسبب الخلافات المتصاعدة بين حركة النهضة الإسلامية (54 نائبا) وخصومها.

وأضاف أن المبادرة التي سيطلقها حزبه تتعلق بالأساس بمرسوم الأحزاب السياسية وتمويلها وشركات سبر الآراء، إضافة إلى تركيز المؤسسة الدستورية المعنية بتنظيم المشهد السمعي البصري، في إشارة إلى محاولة “ترويكا البرلمان” الهيمنة على المشهد الإعلامي.

ومن جهته، قال هشام العجبوني، البرلماني عن التيار الديمقراطي، إن حزبه أطلق هذه المبادرة التي ستكون محل نقاشات معمقة وستتطرق إلى كل جوانب المنظومة الانتخابية التي وقع وضعها منذ 2011.

وأضاف العجبوني في تصريح لـ”العرب” “المنظومة الانتخابية التي وقع وضعها منذ 2011 عجزت عن وضع مشهد عقلاني فيه العائلات السياسية الكبرى ما جعلنا نكون في الوقت الراهن في مشهد سياسي مشتت ولا يوجد توازن بين الأحزاب.. هناك أحزاب تتمتع بدعم إقليمي ودولي قوي وتتمتع بمال مشبوه ولا يمكن إذن أن نجري انتخابات حرة ونزيهة في ظل هذا المناخ”.

وتابع “لذلك قررنا الذهاب نحو مراجعة النظام الانتخابي مثل نظام البقايا، هل نمر إلى أوسط البقايا أو هل نمر إلى ضبط معدل وطني للأحزاب لأنكم تتابعون، فحتى المهرّبين باتوا يزاحمون الأحزاب بالمال الفاسد.. بالإضافة إلى كثرة الحوانيت (الدكاكين) السياسية وهو أمر غير مقبول”.

وتأتي دعوة التيار الديمقراطي لتغيير النظام الانتخابي في وقت تعيش فيه تونس أزمة اقتصادية وسياسية بسبب غياب الاستقرار الحكومي والتجاذبات التي ما انفكت تسمّم العلاقات بين الفاعلين السياسيين.

ودفعت هذه الأزمات، التي تتخوف أوساط تونسية من أن تؤدي إلى انفجار مجتمعي لاسيما أنها تزامنت مع الأزمة الصحية التي يعيشها العالم ككل، العديد من الأطراف السياسية إلى الضغط من أجل تغيير النظام السياسي أو الانتخابي على الأقل لوقف تشتت الصلاحيات.

ومنح الدستور التونسي الذي تم تزكيته في 2014 رئيس الحكومة صلاحيات واسعة، حيث يختص في معالجة الملفات الاقتصادية والاجتماعية وغيرها، بينما يقوم البرلمان بتزكية الحكومات أو سحب الثقة منها وكذلك تمرير القوانين، فيما انحصر دور رئيس الجمهورية في إدارة الدبلوماسية ومسألة الأمن القومي، وهي صلاحيات توصف بالضعيفة.

تحرك حزب التيار الديمقراطي في هذا الظرف بالذات يُثير تساؤلات عن جدية المبادرة التي سيطلقها ومآلاتها

ويرى مراقبون أن حزب التيار الديمقراطي، الذي يشن هجمات متتالية على حركة النهضة الإسلامية (شريكته في الائتلاف الحكومي السابق)، يسعى إلى العودة إلى الواجهة من خلال البحث عن حلول للأزمات التي تخنق البلاد وتهدد استقرارها.

وفي هذا الإطار قال هشام العجبوني إن “حزبنا طرح كذلك مسألة إجراء حوار اجتماعي واقتصادي برعاية وإشراف رئيس الجمهورية.. لا يوجد أي طرف سياسي من شأنه أن يضع حدا لأزمات البلاد.. المعضلة الكبرى اجتماعية واقتصادية حيث توجد أرقام مفزعة تكاد تعلن عن إفلاس مؤجل للدولة”.

وبالرغم من وضوح التيار الديمقراطي في الدعوة إلى حوار وطني والاجتماعي إلا أن مراقبين يستبعدون ذلك خاصة وأن الحزب لدى طرح مبادرته لم يتطرق، ولو بالإشارة، إلى البرلمان الذي يملك صلاحيات قوية.

وقال العجبوني في هذا السياق “الأوضاع المتأزمة تستدعي حوارا بين الأطراف السياسية من داخل البرلمان وخارجه.. عندما تتوصل الأحزاب إلى توافقات، فإن أي مخرجات للحوار الوطني ستنجح في البرلمان.. وسنلتقي الرئيس قيس سعيد قريبا لنطلعه على مبادرتنا”.

4