مساع حكومية جديدة في تونس لمحاربة الفساد

ثورة 2011 التي قلبت الحكم في تونس وأحدثت تغييرات سياسية واجتماعية واقتصادية، لم تستطع قطع دابر الفساد الذي كان أحد أسبابها. وتحاول تونس بكافة مكوناتها الحكومية والسياسية والمدنية أن تتصدى لهذه الظاهرة بكل جهودها، آخرها كان النظر في مشروع قانون يتعلق “بدعم النزاهة والتصدي للإثراء غير المشروع”.
الأربعاء 2016/10/26
هل يكون الشاهد حاسما في محاربة الفساد

تونس - نظر مجلس وزاري مضيق في تونس في مشروع قانون يتعلق “بدعم النزاهة والتصدي للإثراء غير المشروع”، في إطار الجهود الرسمية لإرساء مقومات المنظومة القانونية لمقاومة الفساد والحوكمة الرشيدة بالقطاع العام، وانعقد المجلس الوزاري بمقر رئاسة الحكومة الاثنين.

ويندرج مشروع القانون ضمن الأحكام الدستورية المتعلقة بالنزاهة والشفافية ومنع تضارب المصالح، وإيفاء تونس بالتزاماتها وتعهداتها الدولية خاصة المنبثقة عن اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد المصادق عليها، حسب رئاسة الحكومة.

وأكد المجلس الوزاري على ضرورة التسريع بعرض مشروع القانون على مجلس الوزراء القادم لتتم إحالته إلى السلطة التشريعية في أقرب الآجال، نظرا لأهمية هذا القانون في دعم الشفافية والنزاهة ومقاومة الفساد طبقا للمعايير الدولية المعتمدة في المجال.

وتضمن القانون أحكاما تتعلق بالتصريح بالمكاسب وبحالات تضارب المصالح بالقطاع العام، وضبط آليات لرصد الإثراء غير المشروع وقواعد تجريمه.

ويعول على هذا القانون الجديد، الذي مازال قيد الدرس، لوضع حد للفساد المستشري في البلاد كأخطبوط تمتد يده إلى كل القطاعات أو كسرطان خبيث ينخر ركائز الديمقراطية والرفاه الاجتماعي. ويظل السؤال المطروح حول ما إذا سيبقى، بعد إقراره والمصادقة عليه، حبرا على ورق أو شعارات كالمراسيم والأوامر والقوانين التي سبقته والتي تخص محاربة الفساد في تونس أم ستكون له الكلمة الفيصل في هذا السياق.

واعتبر أمين عام حركة الشعب زهير المغزاوي أن حكومة يوسف الشاهد تفتقد لمشروع حقيقي لمقاومة الفساد والمفسدين.وأعرب، في تصريح لوكالة تونس أفريقيا للأنباء، الثلاثاء، عن تخوفه من أن تكون بعض التدخلات المعزولة في هذا المجال “مجرد محاولات استعراضية تستهدف صغار الفاسدين للتغطية على الرؤوس الكبرى”.

يذكر أن “وثيقة قرطاج”، التي تحدد أولويات حكومة الوحدة الوطنية الحالية، والتي أمضت عليها الأحزاب السياسية والمنظمات الوطنية، تشدد على مكافحة الفساد كأحد أبرز التحديات التي تواجهها الديمقراطية الناشئة.

ورصدت تقارير منظمات دولية من بينها منظمة الشفافية الدولية، ارتفاعا ملحوظا لنسب الفساد خلال فترة الانتقال الديمقراطي. وجاءت تونس سنة 2015 في المركز 76 من بين 168 دولة بعد أن كانت في المركز 59 عام 2010 من بين 177 دولة، وذلك وفق تصنيف الدول الأقل فسادا وشفافية.

حسن العماري: سنتناقش حول الخطة الوطنية لمكافحة الفساد قبل توقيعها يوم 9 ديسمبر

وأكد حسن العماري، رئيس لجنة الإصلاح الإداري والحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد ومراقبة التصرف في المال العام، أن اللجنة ستنظر في مشروع الخطة الوطنية لمكافحة الفساد الذي أعدته الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي.

وأضاف “اتفقت مع رئيس الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، شوقي الطبيب، على مناقشة هذا المشروع وإبداء الرأي فيه، قبل توقيعه يوم 9 ديسمبر القادم الموافق لليوم العالمي لمكافحة الفساد”.

وتسلمت اللجنة من الخبراء تقارير تخص مؤسسات اشتبهت في “سوء تصرف مالي وإداري” مثل “الصندوق الوطني للتأمين على المرض” و”الخطوط التونسية” و”الشركة الوطنية للسكك الحديدية التونسية” وشركة “إسمنت قرطاج”.

وصرح رئيس الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد في تونس، شوقي الطبيب، في يوليو الماضي، أن التراجع في مكافحة الفساد سببه عدم وجود خطة وطنية لذلك، وعدم قيام محاكمات للفاسدين وعدم ظهور إرادة سياسية حاسمة لمكافحة الفساد، خاصة في العامين الأخيرين.

وأعلن شوقي الطبيب، الجمعة الماضي، أن “الفساد في البلاد كارثي وهذا الأمر يتفق حوله الجميع”.

وقال إن “الحديث عن وضع الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد بدأ منذ 2012، ولكن للأسف منذ ذلك التاريخ إلى اليوم، بقي الموضوع مجرد شعارات، كما هو الحال في العديد من المواضيع الأخرى”.

ومن أكثر الإشكاليات التي تعانيها الهيئة، نقص في الموارد البشرية والمادية، وغياب جهاز تقصي رغم أهمية هذا الأمر في مسار الكشف عن الفساد ومحاربته، حيث قال شوقي الطبيب “لا يمكن مقاومة الفساد دون إمكانيات تمنح للهيئات والسلطات المعنية بذلك”.

يشار إلى أن الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد في تونس تأسست أواخر 2011 خلفا للجنة تقصي الحقائق عن الفساد والرشوة، التي تم إنشاؤها مباشرة بعد الثورة في السنة نفسها.

وأوكلت للهيئة مهام اقتراح سياسات لمكافحة الفساد، وإبداء الرأي في مشاريع القوانين الخاصة بذلك، فضلا عن تلقي الشكاوى والإشعارات حول حالات الفساد والتحقيق فيها وإحالتها إلى الجهات المعنية.

وقال شوقي الطبيب “تبقى الملفات الطارئة من أولويات عمل اللجنة، وسيكون ذلك بالتنسيق مع وزارة الوظيفة العمومية والحوكمة ومكافحة الفساد، والهيئة الوطنية لمكافحة الفساد”.

وأكد وزير الوظيفة العمومية والحوكمة ومقاومة الفساد عبيد البريكي، من جهته، أن الحكومة تعمل على مقاومة هذه الظاهرة ولديها ملفات تتعلق بالتهريب وغيرها وسوف تبدأ في معالجتها في أقرب الآجال.

وشدد عبيد البريكي على أن مقاومــة الفساد مسألة معقدة وصعبة، مضيفا أن “مقاومــة الفساد أصعب من مقاومة الإرهاب”، وتشاركه في هذا الرأي المستشارة المقررة بالهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، نجاة باشا.

وقالت نجاة باشا، في سبتمبر الماضي، خلال جلسة استماع في مجلس نواب الشعب، إن “الفساد في تونس يرتفع بشكل مهول جدا”، مشيرة إلى أن الهيئة تلقت منذ 2011 أكثر من 12 ألفا و500 ملف متعلق بقضايا فساد.

وأكدت أن الهيئة تنتقي الملفات العاجلة للتقصي حولها والتدخل بصفة عاجلة، لتتم بعد ذلك إحالتها للقضاء، مضيفة أن عدد الملفات التي تم التقصي حولها بلغ نحو 3 آلاف ملف.

ولفتت إلى أن دور الهيئة اقتصر على مكافحة الفساد بالقطاع العام، رغم أن القانون يمنحها الحق في مراقبة القطاع الخاص، إلا أن نقص الإمكانات يمنعها من ذلك.

وقالت نجاة باشا إن الفساد طال جميع الهياكل وجميع المجالات، على غرار الصحة والتعليم والتربية والجمارك، مؤكدة أنه لا يوجد مجال يخلو من الفساد.

وتساهم محاربة الفساد في تونس في مختلف القطاعات بـ2 بالمئة في نسبة النمو، وفق الدراسات العالمية الخاصة بتونس. ويبقى التصدي للفساد المستشري في تونس رهين إرادة سياسية جريئة. وينتظر الرأي العام التونسي من جهته أن يرى هذه الجهود الرسمية تأتي أكلها بعد سنوات نخر فيها الفساد المنظومة الاقتصادية والسياسية وبرزت تبعاته على المنظومة الاجتماعية فكان المواطن أول ضحاياه.

4