مساع دولية لإنقاذ ما صمد من التراث السوري

الاثنين 2014/06/02
مشاهد الدمار داخل كنيسة أم الزنار في حمص

باريس- يتعرض التراث السوري منذ أربع سنوات لأبشع أنواع الأضرار والانتهاك والتدمير والسرقة والنهب وهو ما دفع منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) لإحداث مرصد في بيروت لرصد وتقييم حالة التراث الثقافي في سوريا، وذلك في نهاية اجتماع دولي للخبراء عقد في مقر اليونسكو في باريس في الفترة ما بين 26 و28 مايو الماضي.

أعلنت اليونسكو أنها قررت إنشاء مرصد لرصد التراث المبني والمنقول وغير المادي في سوريا، بهدف مكافحة الاتجار غير المشروع، وجمع كافة المعلومات التي من شأنها المساعدة في ترميم ما دمر منه حالما ينتهي النزاع المسلح.

وسيتخذ المرصد من مكتب اليونسكو في بيروت مقراً له، وسيضم إطاراً إلكترونياً، حيت تتقاسم أطراف وطنية ودولية المعلومات بشأن الأبنية التي تعرضت لأضرار، والقطع الفنية التي نُهبت، فضلاً عن كافة أشكال التراث غير المادي المهددة بالنسيان.

وضمّ الاجتماع الدولي “حشد المجتمع الدولي لصون التراث الثقافي في سوريا” أكثر من 120 خبيراً من 22 بلداً، من بينهم أخصائيون في مجال التراث الثقافي من سوريا، وممثلون عن المنظمات غير الحكومية السورية، وعلماء الآثار وأعضاء من المنظمات الشريكة لليونسكو، فضلاً عن أكاديميين من العديد من الجامعات الكبرى في الشرق الأوسط وخارجه.

وضع الآثار في سوريا مأساوي وهناك عمليات نهب منظمة مع وجود مافيات دولية

كما شارك في هذا الاجتماع ممثلون عن دور المزادات العلنية الدولية الذين دعوا إلى تقاسم المعلومات ووضع السياسات وتحسين التعاون الدولي أثناء النزاعات وبعد انتهائها.

واقترح المشاركون في الاجتماع مطالبة مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بأن يعتمد قراراً لتيسير استعادة القطع الثقافية التي سُرقت وصُدّرت على نحو غير مشروع من سوريا وتحريم بيعها ونقلها.

كما شدد المشاركون على ضرورة “إزالة الصبغة العسكرية عن المواقع الثقافية”، أي منع استخدامها كقواعد عسكرية أو كأهداف، مع الالتزام بالقانون الدولي القائم، ولاسيما اتفاقية حماية الممتلكات الثقافية في حالة نزاع مسلح (لعام 1954) التي صادقت عليها سوريا.

وأكّد المشاركون في الاجتماع على ضرورة تدريب ضباط الشرطة وموظفي الجمارك في المنطقة وخارجها ورفع مستوى وعيهم بشأن الدور المنوط بعهدتهم في ما يتعلق بمكافحة الاتجار غير المشروع بالقطع الأثرية.

ومن جانبها، حذّرت إيرينا بوكوفا، المديرة العامة لليونسكو قائلة “لقد بلغنا نقطة اللاعودة فيما يتعلّق بالتراث الثقافي في سوريا”، وأشارت إلى أن تدمير التراث هناك يعتبر بمثابة “نزف ثقافي يقترن بأزمة إنسانية مأساوية يعاني من ويلاتها الشعب السوري”.

وأعربت المديرة العامة في البيان، عن استيائها البالغ لتدمير كنيس “إلياهو هانابي” التاريخي في دمشق، وقالت إن “تدمير أقدم كنيس في سوريا هو ضربة جديدة ضد تراثها الديني والثقافي، الذي تعرض بالفعل لضرر هائل”، وأضافت “إن هذا الكنيس هو بمثابة شاهد على التنوع الثقافي التاريخي لسوريا وإلى إمكانية التعايش السلمي بين جميع الطوائف في البلاد”.

مسجد خالد ابن الوليد في حمص وما لحق به من أضرار

وأكدت على ضرورة حماية كل مكونات ثقافة سوريا الغنية، بما في ذلك التراث الديني، مشيرة بشكل خاص إلى حقيقة أن في سوريا مواقع ومعالم بغاية الأهمية للديانات الثلاث، المسيحية واليهودية والإسلامية.

وأوضحت بأن المواقع الأثرية والمدن التاريخية ذات القيمة العظيمة في سوريا دمرت، وذلك منذ نشوب النزاع في آذار/ مارس 2011، كما ألحق هذا النزاع أضراراً بمواقع التراث العالمي في سوريا الستة، ولاسيما في مدينة حلب القديمة وفي قلعة الحصن بحمص؛ وهناك من الشواهد التي تدل على أن هذه المواقع قد استخدمت لأغراض عسكرية وتعرضت لقصف مباشر بالقنابل وللتفجير.

أما التراث العالمي وسائر البقايا القديمة العديدة هناك فقد تعرضت لحفريات غير مشروعة، وللتدمير المتعمد، والإنشاءات غير القانونية الضارة، فضلاً عن ضغط “الاحتلال الإنساني المؤقت”، حسب تعبير المديرة.

وفي ما يخص التراث الثقافي غير المادي بما فيه الممارسات الثقافية والعروض الحية وغيرها، أوضحت بوكوفا أنه يتعرض لأضرار جسيمة بسبب ظواهر التشتت الاجتماعي، وعوامل النزوح والهجرة.

من جانبه، قال السيد فرانسيسكو باندارين، مساعد المديرة العامة لليونسكو إن وضع الآثار في سوريا كارثي ولم تشهده أية دولة من قبل لا العراق أو أفغانستان أو ليبيا، كما لا يمكن مقارنته مع بقية الدول التي تعرضت لحروب. وأوضح باندارين إن التراث في سوريا أصبح مستهدفا وكذلك المعالم السياحية تعرضت لدمار كبير.

ولفت المساعد إلى أن تهريب الآثار يتم عبر دول الجوار السوري، كاشفا عن وجود ممثلين عن هذه الدول في الاجتماع الذين قدموا لوائح بآثار تم ضبطها في المطارات، ونقل باندارين عن الممثلين أن بعض المضبوطات كانت مزيفة، مشيراً إلى أنه ينبغي التعاون مع هذه الدول لوضع مجلدات خاصة بالمسروقات.

من جانبه قال حمد الهمامي المكلف بإدارة المرصد في بيروت أنه توجد معلومات كثيرة متوفرة حول وضع الآثار السورية لكن ينبغي التحقق منها، وأشار إلى أن اختيار بيروت لتكون مقراً للمرصد يعود لقربها جغرافيا من سوريا مما سيسهل العمل.

من جانبه، أعلن الممثل الرسمي لسوريا في الاجتماع مأمون عبد الكريم المدير العام للآثار والمتاحف عن أن جميع السوريين من موالاة ومعارضة للنظام متفقون على ضرورة إنقاذ تراث سوريا.

المديرة العامة لليونسكو: «لقد بلغنا نقطة اللاعودة فيما يتعلق بالتراث الثقافي في سوريا

وكشف عبد الكريم أن وضع الآثار في سوريا مأساوي وصعب جداً وهناك عمليات نهب منظمة مع وجود مافيات دولية، وأشار إلى أنه علينا أن نترك السياسة للسياسيين وأن نعمل كخبراء ومختصين على حماية التراث السوري.

من جهته دعا أنس المقداد رئيس قسم الآثار في جامعة حلب سابقا والباحث في مركز البحوث الفرنسي، إلى إخلاء المواقع الأثرية من المظاهر العسكرية، مشيراً إلى أن بعض تلك المواقع تحولت إلى ثكنات. وأضاف أنه تم قصف بصرى الشام القديمة والجامع العمري ومئذنته الشهيرة التي تعود للعصر الأموي، في محافظة درعا، ما أدى إلى إلحاق أضرار كبيرة بهما.

وبالتزامن مع المؤتمر افتتح في الدائرة الخامسة عشرة في باريس معرض للصور الفوتوغرافية تحت عنوان “ذكريات من سوريا”، يضم صورا لعدد من المواقع الأثرية كقلعة حلب وقلعة الحصن ومواقع سمعان وصيدنايا ومعلولا، وأشار علاء الحمصي على أن المعرض سيستمر حتى 12 يونيو الحالي.

12