مساع لإحياء دور الكنيسة في فرنسا تصطدم بأنصار العلمانية

اليسار ينتقد توجه ماكرون للمواءمة بين الدين والدولة، ومحللون يرون أن النخب تتخلى عن العلمانية إذا تعلق الأمر بالمسلمين.
الأربعاء 2018/04/11
نحو إحياء الكنيسة

باريس - انتقدت الأحزاب اليسارية الفرنسية الثلاثاء، مساعي الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لإصلاح العلاقة بين الكنيسة والدولة متهمة إياه بتجاوز قانون 1905 الذي أعلن فرنسا جمهورية علمانية، أي دولة محايدة منفصلة عن الديانات، فيما تختلف المفاهيم العلمانية لدى منتقدي ماكرون عندما يتعلق الأمر بالمسلمين الفرنسيين.

وقال رئيس الحزب الاشتراكي أوليفييه فور في تغريدة على تويتر إن “العلمانية هي درة عملنا، هذا ما يجب أن يدافع عنه رئيس الجمهورية”، فيما قال رئيس الوزراء الاشتراكي السابق مانويل فالس، الذي انضم إلى حزب ماكرون، إن “العلمانية هي فرنسا”.

وانتقد حزب فرنسا المتمردة (يسار متطرف) التصريحات “اللامسؤولة” لماكرون، حيث كتب زعيمه جان لوك ميلانشون على تويتر أن “ماكرون في قمة هذيان ميتافيزيقي، لا يحتمل، ننتظر رئيسا فنسمع مساعد خوري”.

أوليفييه فور: العلمانية هي درة عملنا، هذا ما يجب أن يدافع عنه رئيس الجمهورية
أوليفييه فور: العلمانية هي درة عملنا، هذا ما يجب أن يدافع عنه رئيس الجمهورية

وأدان المتحدث باسم الحزب أليكسي كوربيار “التصريحات غير اللائقة لرئيس جمهورية علمانية واللامسؤولة والتي تؤجج الانقسامات الدينية”، متسائلا “أين قانون الفصل بين الكنيسة والدولة؟”.

ويدافع العديد من الفرنسيين عن مبدأ العلمانية، حيث كشف استطلاع للرأي نشره معهد “وينغالوب” في 2017 أن خمسين بالمئة من الفرنسيين يقولون إنهم ملحدون أو بلا ديانة، و45 بالمئة يؤكدون أنهم متدينون.

وعبّر وزير الداخلية جيرار كولومب، المكلف بالعلاقات مع الديانات، عن دعمه لماكرون، مؤكدا أن مساعي الرئيس الفرنسي لإصلاح الفجوة بين الكنيسة والدولة ليس فيها مساس بمبادئ العلمانية. وقال كولومب “ما يقوله هو أن الإنسان لا يُختزل في الأمور المادية فحسب، بل يسعى إلى المطلق وإلى ما هو روحاني ويريد أن يُكسب حياته معنى”، مضيفا “قد تكون لهجة جديدة لكنها لا تتعارض إطلاقا مع مبادئ العلمانية”.

وتنبع العلمانية كما جاء في الدستور الفرنسي لسنة 1958 من فصل الدين عن الدولة، أي أن الدولة حياديّة إزاء الدين ويُحظر عليها أي تدخل في شؤون الأديان المختلفة الموجودة في فرنسا.

وعملا بالمثل لا يجوز للانتماء الديني الخاص بالموظفين أو المواطنين المنتفعين بالخدمات العامّة أن يؤثّر في سير الخدمات العامة. ومع ذلك، لا تعني العلمانية إنكار الديانات، فالعلمانية ليست خياراً روحانياً خاصاً بل هي الشرطُ لوجود جميع الخيارات، إذ أنها مبدأ من مبادئ الحرية، وهي تتيح احترام الخيارات الشخصية في أعمق القضايا، في مجتمع منفتح.

ورغم أن حرية اللباس والمعتقد من أهم القيم التي ترتكز عليها العلمانية، إلا أن الأمر يختلف عندما يتعلق بالمسلمين في فرنسا والذين تحمّلهم بعض الأحزاب المتطرفة مسؤولية الهجمات الإرهابية التي شهدتها البلاد كمنطلق للانقلاب على القيم العلمانية وسن قوانين تتعارض معها.

وعندما مررت الجمعية الوطنية في فرنسا قانوناً يحظر على أعضاء البرلمان ارتداء أو إظهار الرموز الدينية، قال الكثيرون إن ذلك يتوافق مع تقاليد البلاد الراسخة في العلمانية الصارمة للدولة والحال أن الحظر -أو التفكير الراديكالي الذي يقف وراءه- أصبح حاجزاً رئيسياً أمام إدماج الجاليات المهاجرة.

ويرى باسكال إيمانويل غوبري، الباحث في مركز الأخلاق والسياسة العامة في واشنطن، أن التاريخ السياسي الفرنسي المعاصر -بما في ذلك عقب قانون 1905 الذي أسس لفصل الكنيسة عن الدولة- يكشف أن أعضاء الجمعية الوطنية يُظهرون الرموز الدينية، وخلال معظم هذا التاريخ لم يخطر لأحد أبدا أن ذلك يمكن أن يتناقض مع العلمانية بأي وجه من الوجوه.

وعليه، فإن قانون 1905 أنهى الدعم العام للمؤسسات الدينية، لكنه لم يؤسس أي حكم قانوني أو ثقافي ضد التعبير العام عن القيم الدينية.

وخلال العقود القليلة الماضية، هاجر الملايين من المسلمين إلى فرنسا. ووقتها فقط، ظهر هذا الفهم الجديد للعلمانية، وطبعاً فإن الأسطورة القائلة بأن علمانية الدولة كانت دائماً تتبنى مثل هذه التأويلات الصارمة، ملائمةٌ وتخدم أهداف من يدفعون بها، إذا كانت ثمة مشاكل مع المسلمين الفرنسيين في فرنسا، فإن سبب ذلك يعود إلى رفضهم تبني قانون العلمانية المقدس. في 2015، وجد الباحثون من معهد مونتين -وهو مركز أبحاث وسطي- طريقة ذكية لقياس التحيز ضد المسلمين وفصله عن التحيز العرقي أو عن التحيز الذي يدخل في إطار معاداة الأجانب عموماً، وذلك عبر التقدم بطلبات وظيفة باستخدام سير ذاتية مزيفة لأشخاص وهميين.

حزب فرنسا المتمردة (يسار متطرف) ينتقد تصريحات الرئيس الفرنسي ويصفها بـ "اللامسؤولة"

والشخصيات التي ابتكروها من أجل طلبات الوظائف كلها لبنانية، والاسم الأول لمقدم الطلب يشير إلى انتمائه الديني، وبالتالي فإن الاختلافات في معدلات الإجابة على هذه الطلبات يمكن نسبتها إلى تحيز ضد الدين، وليس إلى تحيز عرقي أو تحيز يندرج ضمن إطار معاداة الأجانب. وجاءت النتائج دالة ومعبرة؛ ذلك أن احتمال تلقي مقدمي الطلبات الكاثوليك لمكالمة رداً على طلباتهم كان يعادل ضعف احتمال تلقي مقدمي الطلبات المسلمين عندما كانت السير الذاتية متطابقة في كل الجوانب ما عدا الانتماء الديني.

والواقع أنه إذا كانت مشكلة الفرنسيين مع الإسلام تتعلق بالعلمانية، فإن الراهبات الكاثوليكيات اللاتي يرتدين الحجاب أيضاً ينبغي أن يُعتبرن غير متوافقات، والحال أن أغلبية الفرنسيين لديهم آراء إيجابية حول الكاثوليكية.

وخلص إيمانويل غوبري إلى أن الظاهرة برمتها تتم في اللاوعي إلى حد كبير، لكن العلمانية الفرنسية تترجم، عملياً، إلى تعصب مؤسساتي، ما ينتج دائرة مفرغة من التطرف المتبادل.

5