مسافة أندلسية بين شاكيرا وابن رشد

الأحد 2016/10/30
لوحة: منيف عجاج

لويس ماريا بانيرو كان شاعرًا أسبانيًا معروفًا ومجنونًا (كان يقطن مشفى المجانين). دُعي يومًا إلى برشلونة وسأله صحافي “لعلك سعيد لأنهم أنزلوك في هذا الفندق الفاخر”، أجابه “ما في الشارع سوى فندقين، الآخر مخفر الشرطة”.

***

في طريقنا إلى مطار مالقة عرجنا على قلعة أرشيدونة لنزور المسجد الذي بويع فيه عبدالرحمن الداخل (صقر قريش)، مؤسس دولة الأمويين في الأندلس. كان المسجد، الذي غدا كنيسة، مغلقًا. وصل المكان في الوقت ذاته شاب يرافق راهبة وخوريا. سألت الشاب “أتعرف ما أهميّة هذا المكان؟” ما كان يعرف فأوضحت له. سمعني أحدّث صديقي بالعربية فاستفسر عن انتمائنا، قلت له “دمشق” (للمدينة وقع في ذاكرة المسيحيين). عبّر عن أسفه لما يجري وقال “ثمة نبوءة قديمة تقول إن دمشق ستحترق يوم تهاجم إسرائيل” (!) وافق الخوري على ما قاله ولم يعرفوا المصدر. قلت “عجيب! كانوا يعرفون آنذاك أن إسرائيل ستُحدَث؟!”. وأضفت “لذا صرت ملحدًا. يومكم سعيد”.

أودعت صديقي المطار وعدت لأمارس جنوني في وحدتي.

***

جوابًا على سؤال حول التشكيل السوري اليوم، أجبت “سأجاري الصفاقة لو ادّعيت أنّني مطّلع على كل ما يُنتج من تشكيل في ظلال مأساتنا الطويلة. أظنّ أن الأمر يحتاج لخميرة مديدة المفعول، وربما كان الوقت باكرًا؛ لنصادف أعمالًا تحاول احتواء الألم، من دون أن تتلطّخ بالإعلان في قشورها. للزمن رأي، قد يقوله على لسان فرد أو مجموعة”.

***

قال لي شاعر أسباني معروف إن “الشعر ضرب من النحت”. لم أقل له “نعيمًا” لأنني لا أعرف مفردة مماثلة بالأسبانية، لكنني كدت أقول له المثل الأسباني “ستكتشف المياه الساخنة قريبًا”.

***

(حماتيات)

أيام أربع لا أجد نفسي. زحام في البيت ومرتين أسعفناها للمشفى على عجل ليقولوا لي، تحليل الدم ممتاز والقلب أحسن من قلوبنا.. وأنا ممّن ظنّوا أنها النهاية.

***

لا أعرف ما هو الحل (بل أعرفه: عدم الاستسلام) ولا متى النهاية (لكن النهاية تحلّ في كل لحظة، قبل أن تمضي، لأن الزمن يعتمد على تراكم النهايات -نحن منها-).

المهمّ، الحلّ والنهاية فينا.

***

(من يوميات دليل سياحي)

أخبرته عن موقع دفن ابن رشد في قرطبة (قلّة يعرفون)، وهو ما كان يعرف من يكون! لكنه أطنب في إعجابه بشاكيرا.

***

تعود أيام موسكو إلى الذاكرة.. أنا لم أك قطّ عضوًا في الحزب الشيوعي السوري رسميًا (وإن كنت وما زلت جدليّ الفكر، أي غير دوغمائي، عكس حالهم). لكن الظروف (مجهولة بالنسبة إليّ) جعلتني مسؤولاً عن فرقة الدارسين في الاختصاصات الفنية (موسيقى، مسرح، سينما، تشكيل.. الخ). وكانت فرقة معارضة ونقدها لسياسة الحزب لا يكفّ (كانت أيام تأسيس الجبهة الوطنية التقدمية التافهة).

جاءنا يومًا، أثناء اجتماع، مرسلَين من قبل قيادة التنظيم!: قدري جميل وتابعه (ليس قفّة) عمّار بكداش، بتعليمات تأمر بنقلي إلى فرقة أخرى، عساهم يقضون على المشاغبين.

لم يلجأ الرفاق إلى تقنيات كرة القدم لأن سيماهم كانت كافية لتهريب النموذجين.

كان آخر عهدي بهما… لحسن الحظ.

***

أيام إقامتي في سوريا، أوائل الثمانينات من القرن العشرين، كان من عادتنا أن تسافر زوجتي وطفلاي إلى أوروبا صيفًا لزيارة بيت حماي. كانت تنتشر إشاعة في يبرود تقول: تركته، أخذت الأولاد ورحلت!

ولأنني من النوع الذي يحبّ الصفن كنت أشيح، وأتابع حياتي. ما كان يتراجع أحد من الثرثارين يوم عودتهم، قبل بداية دوام المدارس. وفي الصيف التالي.. دواليك.

الثرثرة تهوى الاختباء لحظة الحقيقة.

***

سعيد أنا (على الرغم من كلّ شيء): عملت “كما يجب” وأنجبت ” كما يجب” وسأغادر (بعد زمن الطبيعة) “كما يجب”. يبقى أن أنتصر “كما يجب”.

نحات وكاتب من سوريا

11