مسافة طويلة

الاثنين 2014/07/07

في مصر أعلنت نقابة أطباء النساء قرارها بملاحقة مسلسل “دكتور أمراض نساء” بسبب إساءته للمهنة من خلال دور الممثل مصطفى شعبان. وتهجّم الملحن عمرو مصطفى على الممثلة التونسية هند صبري ودعاها إلى أن تلمّ نفسها وتعود إلى بلادها بسبب دورها في مسلسل “امبراطورية مين”، وقال عبدالستار تميم، والد الفنانة الراحلة سوزان تميم، أنه سيقاضي القائمين على مسلسل “المرافعة”، في حال التأكد من المعلومة التي تقول إن دوللي شاهين تجسّد دور ابنته في العمل.

وفي ليبيا انقلبت الدنيا بسبب مسلسل “دراجانوف” الذي يقال إنه أساء للنساء الليبيات وقدمهن في صورة لا تليق بهن، وفي تونس اهتزّت نقابة السجون والإصلاح وقررت الاحتجاج والإضراب وفتح الملفات نتيجة مشهد في مسلسل “مكتوب”.

هذا بعض ما ورد في الأسبوع الأول من رمضان، والأمور قد تتطوّر خلال الأيام القادمة، فقد يخرج من يقاضي مسلسل “صاحب السعادة” لعادل إمام أو “سرايا عابدين” ليسرا أو “جبل الحلال” لمحمود عبدالعزيز، أو أي عمل آخر من عشرات المسلسلات التي تبثها الفضائيات والأرضيات وشبكة الإنترنت خلال الشهر الكريم. فنحن بحمد الله، أمة تؤمن بالديمقراطية طالما أنها تجعل منا ناقدين لا منقودين، وفاضحين لا مفضوحين، وكاشفين لا مكشوفين، والواحد منا يمكنه أن يستفيد من حرية التعبير كفاعل لا كمفعول به، فهو حرّ في أن يشنّ غارات القول والاتهام والانتقاد والفضح والتعرية، فإذا أصابته ألسنة الخلق أو أقلامهم أو مسلسلاتهم وأفلامهم بما لا يرضيه، انقلب إلى دكتاتور يهدّد بالويل والثبور الغريب.

إن هذا يحدث في زمن “الربيع العربي” حيث ترتفع شعارات الحرية والديمقراطية والتعددية وحقوق الإنسان، وحيث تكفل الدساتير حرية التعبير وتقدّسها. ولكن من قال إن ما بالطبع قد يتغيّر بتغيير حاكم أو نظام؟

بعد 42 شهرا من بداية العاصفة في تونس، اكتشفنا أننا كنّا “نعيب زماننا والعيب فينا وما لزماننا عيب سوانا” وأن القبول بالرأي الآخر والمختلف ليس من سماتنا ولا من عاداتنا ولا من تقاليدنا، وإنما يراد له أن يفرض علينا عنوة.

كان محرر العبيد إبراهام لينكلون مع سائقه في سيارة الرئاسة، عندما رأى زنجيا مرهقا يرفع حملا على رأسه، فطلب من السائق التوقف، وأشار إلى الزنجي بالركوب في المقعد الخلفي، فركب الرجل وكان مصرّا على ترك الحمل فوق رأسه، سأله الرئيس: لماذا لا تضع الحمل إلى جانبك؟، فرد عليه بعفوية: لا أريد أن أثقل على السيارة. قال لينكلون: مشكلة حقيقية أن يتحرّر الجسد قبل العقل، ونحن لا تزال أمامنا مسافة مهمة حتى تتحرّر العقول، وحتى لا ننزعج من عمل فني أو مسلسل من مسلسلات هذه الأيام.

24