مسافة مأساة

الثلاثاء 2014/08/12

بعيدا عن «الهمروجة» الإعلامية التي اجتاحت لبنان خلال أحداث عرسال وتوريط الجيش اللبناني في القتال هناك في وجه مجموعات مسلحة بايعت داعش وأميرها، وبعيدا عن أسباب وتوقيت تلك المبايعة.

وبعيدا عن سيل المواقف السياسية من كل ذي طموح من قوى الطبقة السياسية الحاكمة، والتي جاءت جميعها تحشد تضامنا كلاميا مع مؤسسة الجيش اللبناني وترفع له التحايا. وبعيدا عن المواقف المتزاحمة للزعماء السياسيين التي حملت الإشادة بالمؤسسة العسكرية والمؤسسات الأمنية على تضحياتها في سبيل حماية الوطن من الإرهاب.

بعيدا عن كل ذلك، وعن المأساة المدوية التي عايشها أكثر من ثلاثين ألفا من أبناء عرسال وأكثر من مئة وعشرين ألفا من النازحين السوريين جلهم من الأطفال والنساء، والذين تم تشريدهم للمرة الثانية، بعيدا عن الواقع المأساوي الإضافي الذي يلقاه مئات آلاف النازحين السوريين في لبنان، نتيجة تلك الأحداث المترافقة مع ضجيج إعلامي عنصري يصور كل تجمع للنازحين بؤرة للإرهاب.

بعيدا عن أسباب تأخر الجيش في بسط سيطرته على عرسال وجوارها، رغم الدعوات المتكررة التي وجهها أهالي عرسال للمؤسسة العسكرية منذ أشهر، وبعيدا عن الضحايا الذين سقطوا والذين اختطفوا وعن عشرات، بل ربما مئات من المصابين، بعيدا عن كل ذلك وفي كواليس الائتلاف المافيوي المسيطر على السلطة والمؤسسات جميعها، بما فيها القوى الأمنية والجيش الذي يسترهنون قراره عبر قيادة وضعوا نصب عينيها أنه بناء على ذلك الارتهان السياسي لقيادة المؤسسة، يصبح قائد الجيش جديرا بكرسي الرئاسة الشاغر منذ أكثر من عشرة أسابيع.

ليس غريبا على ائتلاف السلطة أن يسلك طريق الدم والدمار كي يعيد إنتاج سيطرته. كما أن اغتصاب وإعادة اغتصاب السلطة أصبح مسألة يسيرة لديه، لا تحتاج سوى تقاطع مصالح مراكز الهيمنة الإقليمية والدولية التي يرتهن لها أطرافه.

ففي الوقت الذي ينتظر طلاب الشهادات الرسمية إعلان نتائجهم من أجل استقبال العام الدراسي القادم الذي صار على الأبواب، يستمر الطاقم الحاكم الغاصب للسلطة في تجاهل مطالب المعلمين والموظفين (ومن بينهم رجال الأمن والعسكريون) والأجراء، التي اعترف الجميع بأحقيتهم بها، ولا يعنيهم لا مصير هؤلاء ولا مصير أبنائهم في شيء.

أما ادعاء التضامن مع الجيش والقوى الأمنية، فليس سوى كلام فارغ لا يغني عن ضرورة إعطاء أفراد تلك المؤسسات ما يقيهم شر العوز الذي ينبغي إقراره ضمن مطلب سلسلة الرتب والرواتب. فأفراد المؤسسات العسكرية والأمنية ليسوا إلا أبناء أسر معدومة توسلوا وظيفة متواضعة في السلك العسكري، أو في الأسلاك الأمنية لانعدام فرص العمل، وعبر توسل “الوساطات” لدى هذا المتنفذ أو ذلك الزعيم.

قد يظن البعض أن التقاسم الطائفي في الوظيفة العامة يمارس لحماية مصالح الطوائف ورفع الغبن أو التهميش عن هذه الطائفة أو تلك، ولكنه في واقع الأمر ليس سوى محاصصة نفوذ بين قوى تستزلم المحتاجين وتستتبعهم، بحيث تكون لكل متنفذ أو جهة أو حزب حصة في تعيين الأفراد في هذه المؤسسة أو تلك. ورغم هزال المكسب الذي يتحصل عليه الموظف أو العسكري، فإن الجهة المتنفذة، تعمل على ابتزازه سياسيا طول عمره.

ولكن المؤسسات الأمنية والعسكرية مسخّرة لحماية نظام هؤلاء المتنفذين من مافيات السلطة. أي أنهم هم من يؤمن لهؤلاء استمرارهم في السلطة وفي مواقع النفوذ. وحيث أنهم ممنوعون من العمل النقابي، فهم ينتظرون المعلمين والموظفين والعمال لينجزوا تحركهم، كي تعم فائدة المكاسب المرجو تحقيقها رواتبَهم وتعويضاتهم. والمضحك المبكي أن هؤلاء يناط بهم قمع التحركات المطلبية عندما ترى السلطة ذلك مناسبا، وهم أنفسهم من يلقى بهم في أتون الاضطرابات الأمنية التي تذكيها المافيات المسيطرة في عملية التناتش على المغانم.

وهكذا يتكرر سيناريو إعادة إنتاج سيطرة مافيات السلطة بالدم والخراب، بدلا من الخضوع لمطالب غالبية المواطنين، معلمين وطلاب وموظفين وأجراء وعسكريين.


كاتب لبناني

9