مساندة إخوان سوريا لـ"غصن الزيتون".. الانتماء للجماعة أولا

الجمعة 2018/01/26
كلمات حق يراد بها باطلا

إسطنبول (تركيا) - صدر يوم الأربعاء 24 يناير بيان من جماعة الإخوان المسلمين في سوريا، يعلن فيه موقف التنظيم المساند، وبشكل مطلق ودون أدنى تحفظ، لعملية ما سمي بـ”غصن الزيتون” والتي تشنها تركيا على الفصائل الكردية في منطقة عفرين شمال غرب سوريا باسم الحفاظ على “الأمن الوطني”.

جاء هذا البيان المتوقع لدى كل من له أدنى اطلاع بحقيقة الارتباط العضوي بين الإخوان و رجب طيب أردوغان، بعد الموقف القطري المساند بدوره للهجوم على قاعدة ما تسميه قطر “شراكة استراتيجية مع أنقرة”، الأمر الذي أثار حفيظة وغضب الأوساط العربية، خصوصا وأن هذا الهجوم لا مبرر ميدانيا له و أيضا لا غطاء قانونيا له.

القارئ لهذا البيان يقف عند مجموعة نقاط تكشف أساليب المراوغة الإخوانية وطرقهم في التضليل والتبرير حين يلتمسون لأنفسهم الأعذار ويحاولون الإقناع، وهم في ذلك تنطبق عليهم المقولة الشائعة “رب عذر أقبح من ذنب”.

أول الأعذار أنهم يقحمون الحالة السورية والحراك الشعبي العام والمشروع في بيانهم سعيا وراء وهم كسب تأييد البعض من المعارضة السورية كما يدل عليه ما جاء في نص البيان “إنّ جماعة الإخوان المسلمين في سوريا وهي تتابع التطورات السياسية والعسكرية للثورة السورية، وانطلاقاً من مبدأ وحدة التراب السوري، ومواجهة كلّ المشاريع الهادفة لتقسيم سوريا فإنّها تعلن تأييدها قرار مشاركة الجيش الوطني السوري (المشكّل من فصائل الثورة السورية) وبإشراف الحكومة السورية المؤقتة، في عملية غصن الزيتون بدعم ومساندة الجيش التركي ضد التنظيمات الإرهابية”.

هذه الديباجة الطويلة والصادرة في البيان تحاول أن تلوي عنق الحقائق وتقدم المبررات لموقفها باسم الوطنيات التي لم نعهدها لا في مواقفهم ولا في أدبياتهم.. من أين جاءتهم هذه الوطنيات وهطلت بصورة مفاجئة؟

بيان الإخوان هذا، والذي يؤكد تبعية الجماعة لتركيا، يثبت أنهم يتحركون وفق منطق الجماعة لا منطق الوطن أو الدولة، وهذا بصرف النظر من الموقف من الثورة أو من النظام، فسوريا تبقى دولة عضو في الجامعة العربية ومنظمة الأمم المتحدة.

كلام المراقب العام عن حماية المدنيين وغيرها من كلمات الحق التي يراد بها باطلا، لا يمكن إلا أن يذكر بسياسة توأمه القطري

الإخوان في بيانهم يدعمون “حق الجمهورية التركية باتخاذ الخطوات اللازمة للدفاع عن أمنها القومي”، وهنا يستدعى مصطلحا “الجمهورية” و”الأمن القومي” وهما مصطلحان غريبان عن معجم الإخوان، ومتناقضان مع الدوافع الحقيقية لمساندة نظام تركيا الإسلامي لأنها منطلقات أيديولوجية دينية لا وطنية.

الدفاع عن “وحدة سوريا” يتناقض أيضا مع مساندة العملية التركية التي عدتها عديد القراءات جزءا من صراع إقليمي ودولي كبير في سوريا وعلى سوريا.

الوطن غير حاضر في الأدبيات الإسلامية، وهو يتخذ موقعا ثانويا بعد أولويات الجماعة وحسابات التنظيم الدولي للإخوان، ولا شك أن بيان الإخوان يلتقي مع مواقف يوسف القرضاوي، هذا الداعية المدعي، والذي لا ينتمي إلى مصر إلا بالمولد، وكذلك ينطبق الأمر عـلى زعامات الإسلام السياسي ومنظريه وغـيرهم من شيوخ الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.

ويمضي بيان الإخوان المسلمين في الزج بعبارات ومصطلحات ومقاربات ليست من قاموس الجماعة ولا من سلوكياتها ولا من سياساتها المبنية على العنف والمخاتلة والمراوغة، وذلك ظنا من الإخوان أنهم قد يحفظون بذلك ماء وجههم أمام هذا الارتهان المشين لنظام أردوغان.

ومن بين هذه التبريرات البائسة التي جاءت في البيان فقرة تقول “إنّ المكوّن الوطني الكردي الذي هو جزء أصيل من نسيج الشعب السوري، وله كامل حقوق المواطنة، لا يمتّ بأيّة صلة إلى هذه الميليشيات الإرهابية، ونرفض استخدام هذه التنظيمات لأبناء شعبنا الكردي كدرع بشري للتغطية على جرائمهم كما كان يفعل داعش مع أهل السنّة”.

وتعليقا على هذه الصياغة الواردة في البيان يتساءل أحد المحللين: منذ متى صار الفقه الإخواني العابر للتاريخ والجغرافيا والأوطان يتحدث بمصطلحات من قبيل “المكون الوطني” أو “نسيج الشعب”؟ وكيف أسقطت وبشكل مظلي ومقحم مقارنة الأمر بما يفعله داعش مع أهل السنة؟ فعلى أي ذقون يضحكون؟

هذا الارتهان المخزي والمكشوف والمتوقع لسياسة أردوغان وأوهامه الدونكيشوتية في المنطقة، أسقط ورقة التوت عن عورة الإخوان، وجعل تبريراتهم تبدو مثيرة للسخرية حينا والاشمئزاز حينا آخر. وفي هذا الإطار، أكد المراقب العام لجماعة الإخوان المسلمين في سوريا رياض الشقفة، يوم الخميس الماضي في مدينة إسطنبول التركية أن السوريين “مستعدون لقبول تدخل تركي في سوريا لحماية المدنيين من أعمال العنف التي يرتكبها نظام دمشق” وقال الشقفة في مؤتمر صحافي “إن الشعب السوري سيقبل بتدخل في سوريا من تركيا أكثر من الغرب إذا كان الأمر يتعلق بحماية المدنيين”.

معارضون سوريون وصفوا هذا الكلام بالوقاحة واستنكروا تحدثه باسم السوريين مذكرين بأن الإخوان في سوريا لم يشاركوا في الحراك الشعبي منذ انطلاقته ثم جاؤوا ليمتطوه بمساعدة قرينهم أردوغان كما فعلوا أو حاولوا أن يفعلوا في تونس ومصر، ولكن “هيهات” كما يقول أحد المعارضين السوريين مذكرا بأنهم قد جاؤوا بعد فوات الأوان وبعد أن تعمقت نقمة الشارع العربي على الأحزاب الإسلامية.

كلام المراقب العام عن حماية المدنيين وغيرها من كلمات الحق التي يراد بها باطل، لا يمكن إلا أن يذكّر بسياسة توأمه القطري وتبريراته فلقد قالت المتحدثة باسم الخارجية القطرية لولوة الخاطر الاثنين الماضي إنّ التدخل العسكري التركي في سوريا “جاء مدفوعا بمخاوف مشروعة متعلقة بأمنها الوطني وتأمين حدودها بالإضافة إلى حماية وحدة الأراضي السورية من خطر الانفصال”.

13