مساوئ الوضوح والغموض

الجمعة 2014/05/09

الإبداع خلق على غير مثال، ومن ثَمّ لا مجال لوصفة تحدده، وكل مبدع يصوغ نصه وفق ما تمليه عليه حساسيته الفنية ورؤيته الفكرية، شرط أن يحقق ذلك النص أدبيته ويضمن مقروئيته. وهنا مكمن الاختلاف بين من يؤمن أن الأدبية لا تتحقق إلا بالسلاسة والوضوح، وبين من يعتقد أن النص الأدبي مغامرة شكلية ولغوية تحاور الفن ولا يعنيها القارئ، وألا علاقة للمقروئية حينئذ بأدبيته.

والحقيقة أن هذا وجهٌ من أوجه الصراع بين أنصار الواقعية أو ما يطلق عليه خصومهم صفة “الأدب السهل”، وأنصار التجريب والمغامرة الفنية والأدب الطلائعي أو ما يسميه مناهضوهم بالهرمسية أي التعمية والإغلاق، وهو صراع قديم يكاد يكون كونيا، يحوم عادة حول اللغة والشكل الفني. رأينا ذلك في النصف الأول من القرن الماضي، بين بورخس المتمسك بالخيال والذاكرة والأساطير والمرايا داخل بنية صارمة، في لغة صافية، وبين كاتب من أصل نمساوي يدعى روبرتو آرلت كان يشحن رواياته ذات المنحى الواقعي، وخاصة رواية “المجانين السبعة” بالعامية ولغة الزعران وبذاءات الحواريّ الخلفية. مثلما رأيناه في فرنسا في الفترة نفسها تقريبا، بين دعاة الفن للفن مثل بول بورجيه وفيلييه دو ليل آدم وأناتول فرانس والباحثين عن أساليب جديدة ولغة تنهل من المعيش اليومي وتعبث ببنية الجملة التقليدية، كما هي الحال مع ريمون كينو وسيلين وجان جينيه.

والحقيقة أيضا أن من النصوص المعاصرة ما يكون بالغ الوضوح والشفافية حتى أن القارئ يمكن أن يلمس قاعه بإصبعه. في المقابل ثمة نصوص أخرى غامضة، مبهمة، موغلة في التجريب بشكل لا يملك مفاتيحها إلا أصحابها، هذا إن لم يكونوا هم أنفسهم قد أضاعوها. نصوص يقف أمامها المرء حائرا لا يدري هل ينبغي أن يتعلم لغة جديدة لينفذ إلى هذا النوع من الأدب ويفكّ مغالقه. ولكم يُلام القارئ على قصوره، وافتقاره إلى أدوات تعينه على ولوج تلك النصوص، والحال أن أصحابها هم الذين لا يمسكون بزمام مادتهم على شتى المستويات. يقول أحد النقاد: “حدث أن أحسست ببخار يضبّب ذهني أمام روايات قيل إنها تجريبية، فصرت لا أتردّد عن طيّ الكتاب منذ الصفحة الأولى”.

صحيح أن التجربة دلت على أن النصوص التي لا تهب نفسها للقارئ من الوهلة الأولى، مثل الأعمال الكلاسيكية الكبرى، هي التي لا تزال تسكن ذاكرتنا. ولكن إذا كانت السهولة والوضوح والواقعية الفجّة مخلة بالأدب، فإن الأعمال الغامضة غموض الحجاء، التي يفسرها من يشاء كما يشاء، تبقى أكثر منها إخلالا.


كاتب من تونس مقيم في باريس

15