مساواة أقباط مصر في إجازة الحج للقدس أسوة بالمسلمين

رغم ترحيب الكثير من المصريين- مسلمين ومسيحيين- بالحكم الصادر أخيرا من المحكمة الدستورية العليا، بحق الموظفين الأقباط العاملين بجهاز الدولة في إجازة لمدة شهر للحج إلى القدس، على غرار المسلمين الذين يحجون إلى مكة المكرمة، إلا أن الحكم أثار الكثير من الجدل المجتمعي والديني والسياسي، ودخل ككل مرة مجال الجدل حول اعتباره تطبيعا أو جزءا من دعم القضية.
الجمعة 2017/02/17
تكريس المواطنة جزء من حماية الأمن القومي

القاهرة – اعتبرت الكنائس المصرية المختلفة الأرثوذكسية والإنجيلية والكاثوليكية، حكم المحكمة الدستورية العليا، الذي يقضي يمنح الموظفين الأقباط إجازة لمدة شهر مدفوعة الأجر، خلال موسم الحج إلى القدس، حكما تاريخيا، يؤكد مبادئ المواطنة والمساواة الكاملة بين المصريين.

وأشارت النائبة البرلمانية، نشوى الديب، لـ”العرب”، إلى أن الحكم يعد خطوة مهمة على طريق استعادة المسيحيين المصريين حقوقهم التي ينص عليها الدستور المصري ويؤكد على المساواة بين جميع المصريين في الحقوق والواجبات دون تمييز لاعتبارات دينية أو طائفية أو عرقية.

ورأى مراقبون أن هذه الخطوة تعد مكسبا للأقباط وتكليلا لخطوات أخرى سبقتها، مثل إصدار قانون بناء وترميم الكنائس في العام الماضي، واقتراب صدور قانون الأحوال الشخصية، وهو ما يعكس توجه الدولة نحو تصحيح مسارات تجعل من الأقباط ورقة ضغط يمكن التلويح بها من وقت لآخر وفق معطيات وحسابات تتعلق بالسياسات الداخلية والخارجية.

وقال مصطفى علوي، أستاذ العلوم السياسية لـ”العرب”، إن حكم المحكمة الدستورية يحمل دلالات سياسية مهمة لها أبعاد داخلية وخارجية؛ فعلى المستوى الداخلي هو يرفع كل أشكال التعسف والتمييز ضدهم، ويكرس مبادئ الدستور المصري (الصادر في عام 2014)، بتحقيق المساواة والمواطنة الكاملة لكل المصريين. ويعطي رسالة سياسية للخارج بعدم وجود تمييز واضطهاد ضد الأقباط، أو التضييق عليهم.

مشكلة قانونية

جاء الحكم بعد مرور ثلاث سنوات على القضية التي رفعها المحامي القبطي نجيب جبرائيل، رئيس منظمة الاتحاد المصري لحقوق الإنسان، لدى القضاء الإداري لمراجعة الفقرة الأولى من المادة 71 من قانون العاملين المدنيين بالدولة رقم 47 لسنة 1978، والتي تقصّر الإجازة لمدة شهر مدفوعة الأجر على أداء فريضة الحج عند المسلمين.

وصية البابا شنودة في عنقنا
تمنع الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، التي ينتمي إليها غالبية الأقباط المصريين، رعاياها من زيارة القدس والأماكن المقدسة في الأراضي المحتلة، إلى حين قيام دولة فلسطينية، حيث كان البابا الراحل كيرلس السادس، قد أعلن رفضه زيارة القدس في أعقاب هزيمة عام 1967. وفي عام 1980 قرر المجمع المقدس منع الأقباط من زيارة المدينة في ظل الخلاف العميق بين البابا شنودة والرئيس الراحل أنور السادات الذي وقع اتفاقية كامب ديفيد مع إسرائيل.

وحوّل القضاء الإداري القضية إلى المحكمة الدستورية العليا، التي أقرت بعدم دستورية تلك المادة، لأنها تنطوي على تمييز بين المصريين، ومن ثم أحقية المسيحيين في المعاملة بالمثل، غير أن حكم المحكمة الدستورية أثار إشكالية قانونية تمثّلت في أنه تعامل مع قانون قديم (قانون 1978)، بينما هناك قانون آخر جديد كان يجب وضعه في الاعتبار، وهو ما لم يحدث.

يشرح هذه النقطة محمد شوقي عبدالعال، أستاذ القانون، مشيرا إلى أن حكم المحكمة الدستورية جاء بخصوص قانون تم إلغاءه واستبداله بقانون الخدمة المدنية الجديد رقم 81 لسنة 2016، الذي صدر في نوفمبر الماضي ونصّ في أحد مواده على منح العاملين إجازة لمدة شهر مدفوعة الأجر لأداء الحج.

ويوضح عبدالعال لـ”العرب” أن القانون الجديد (قانون 2016) يجب تعديله من قبل مجلس النواب وتضمينه حكم المحكمة الدستورية الأخير، ولذلك فإن أثر هذا الحكم الأخير، من الناحية القانونية، هو تطبيقه بأثر رجعي على موظفي الحكومة الذين قاموا بزيارة القدس في السابق بغرض الحج ولم يحصلوا على إجازات مدفوعة الأجر، وحقهم في استعادة تلك الأموال.

ورغم أن قانون الخدمة المدنية الجديد (2016) لم ينص على منح المسيحيين العاملين بالدولة شهرا إجازة مدفوعة الأجر بغرض الحج، إلا أن المستشار محمد جميل، رئيس الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة، صرّح بالتزامه بحكم المحكمة الدستورية.

ولفت إلى تضمين اللائحة التنفيذية لقانون الخدمة المدنية الجديد مادة يؤكد نصها على حق العاملين المدنيين المسيحيين من موظفي الدولة في إجازة اعتيادية بأجر كامل لمدة شهر لزيارة بيت المقدس، وذلك طوال مدة عملهم بالخدمة المدنية، مع عدم احتسابها ضمن الإجازات الاعتيادية المقررة بهذا القانون.

جدل سياسي

أثار حكم المحكمة الدستورية العليا جدلا واسعا داخل الكنيسة والمجتمع في مصر، خاصة في ما يتعلق بتأثير القانون على زيارة الأقباط للقدس. وهذه الزيارة هي محل جدل متجدد محوره قرار البابا الراحل كيرلس السادس بعدم السفر للقدس بعد هزيمة 1967، ثم قرار البابا شنودة، بمنع الأقباط من زيارة القدس في ظل الاحتلال الإسرائيلي.

واعتبر القس جرجس عزيز أن الحكم يسهّل على الأقباط زيارة القدس والأماكن الدينية في فلسطين، لكنه شدّد على أهمية ألا تفسر هذه الزيارة في سياق التطبيع مع الكيان الإسرائيلي، وإنما تأتي لأسباب دينية بحتة.

وتطرق القس جرجس عزيز إلى الجدل الذي صاحب زيارة البابا تواضروس الثاني إلى القدس سنة 2015، للمشاركة في جنازة مطران القدس، الأنبا إبراهام. وكانت تلك أول زيارة يقوم بها بابا للأقباط الأرثوذكس في مصر للقدس منذ عقود، وانقسمت الآراء بشأنها بين من يرونها دعما للفلسطينيين ومن يعتبرونها تطبيعا مع إسرائيل.

وأشار القس عزيز لـ”العرب” إلى أن هناك عشرات الآلاف من الأقباط الذين يزورون القدس كل عام بغرض الحج، ولا توجد موانع قانونية أمامهم. وأوضح أن البابا شنودة، لم يحظر زيارة القدس للأقباط بغرض الحج، وإنما قصر الزيارة على من هم فوق سن الأربعين وحسب رغباتهم.

ورغم أن القضية تحمل أبعادا دينية ولها علاقة بقضية المواطنة والمساواة بين المواطنين المصريين، وتخضع أساسا لمقاربات الكنيسة القبطية، إلا أن الجدل السياسي يلقي بظلاله، أساسا على مستوى الجدل الذي يثار في كل مرة بخصوص حج الأقباط للقدس وهل هو تطبيع أم دعم للقضية، خاصة وأن إسرائيل ذاتها تشجع على زيارة الأقباط، كما أن الرئيس الفلسطيني محمود عباس طالبهم أكثر من مرة بزيارة القدس، لمنع قيام إسرائيل بتهويدها.

رغم أهمية الحكم الصادر عن المحكمة الدستورية إلا أنه يصعب تنفيذه عمليا بالنظر إلى موقف الكنيسة الأرثوذكسية الخاص بحظر سفر الأقباط للقدس في ظل احتلال إسرائيل لها؛ لكن طوائف مسيحية أخرى يمكن أن تستفيد من الحكم، مثل الكاثوليك والطائفة الإنجيلية.

ولفت وحيد عبدالمجيد، رئيس تحرير مجلة السياسة الدولية بالقاهرة، إلى أن هناك مخاوف من تدفق الأقباط إلى القدس بأعداد كبيرة بغرض الحج بعد حكم المحكمة الدستورية، وهو ما قد يفهم منه أنه تطبيع. وقال عبدالمجيد لـ”العرب” إن تأثير حكم الدستورية العليا يتعلق أساسا بتكريس المواطنة، وإزالة كل صور التمييز عن المسيحيين المصريين، لكنه لن يكون له تأثير كبير على موقف الأقباط، على خلفية حظر المجمع المقدس للكنيسة الأرثوذكسية ذلك في عام 1980.

ولم يخف المحامي نجيب جبرائيل صاحب الدعوى القضائية في تصريحات صحافية أنه ورغم أهمية الحكم الصادر عن المحكمة الدستورية إلا أنه يصعب تنفيذه عمليا، بالنظر إلى موقف الكنيسة الأرثوذكسية، التي يمثل أتباعها 90 بالمئة من المسيحيين المصريين، الخاص بحظر سفر الأقباط للقدس في ظل احتلال إسرائيل لها، لكنه أشار إلى أن طوائف مسيحية أخرى لا تحظر السفر للقدس يمكن أن تستفيد من الحكم، مثل الكاثوليك والطائفة الإنجيلية.

وظل البابا شنودة حتى وفاته في 2012 ملتزما بهذا القرار، وكرر أكثر من مرة أنه لن يزور القدس وحده بل مع شيخ الأزهر بعد تحرير الأراضي الفلسطينية. وأيضا كثيرا ما أكد البابا الحالي تواضروس أنه ملتزم بهذا القرار، في تأكيد على أن زيارته للقدس سنة 2015 جاءت تحت ظرف إنساني خاص. وبالمثل كان موقف القس أندريه زكي، رئيس الطائفة الإنجيلية، فرغم إشادته بالحكم باعتباره تكريسا للمواطنة، إلا أنه أكد على التزام طائفته بموقفها، “بعدم زيارتنا للأراضي المقدّسة دون الأشقاء المسلمين”.

وقال متابعون لـ”العرب” إنه رغم وجود علاقات رسمية بين مصر وإسرائيل، وعدم وجود أي محاذير قانونية تمنع المسيحيين من زيارة القدس، إلا أن الأقباط، كغيرهم من المصريين المسلمين، يرفضون التطبيع مع إسرائيل، طالما استمر عدوانها على الشعب الفلسطيني، وهم ملتزمون بتنفيذ وصية البابا شنودة.

وشدد المتابعون على أن العقل الجمعي المصري، المسلم والمسيحي، يرفض التطبيع والسفر للقدس والأماكن الدينية في فلسطين لأنه سيكون عبر المطارات والحواجز الإسرائيلية وبتأشيرات إسرائيلية، وهو أمر غير مقبول نفسيا إضافة إلى المخاطر الأمنية بعد العودة.

كاتبة مصرية

12