مساوي الديمقراطية

الأربعاء 2017/02/15

قد يبدو العنوان مثيرا وربما مستفزا، لما استقر في الأذهان عن الديمقراطية من أفكار توهم بأنها خير نظام سياسي ابتكره الإنسان، وأنها الأفق الذي لا يمكن تجاوزه. صحيح أن الديمقراطية هي أكثر الأنظمة انتشارا في العالم، ولكن التجارب أثبتت أنها ليست خلوا من النقائص، ومن الثغرات التي يمكن أن ينفذ منها الطغاة والفاشيون والإسلاميون ومجانين الحكم، حتى في مجتمعات متقدمة تزخر بنخب فكرية وعلمية راقية، بل إنها يمكن أن تفرز أعداءها بنفسها، على غرار ما جرى في ألمانيا النازية في ثلاثينات القرن الماضي، وما جرى في تونس ومصر بعد الثورة حين أعلن الإخوان عند فوزهم في الاقتراع عن بغضهم ديمقراطيةَ الكفّار، وأقسموا أنهم لن يتخلوا عن السلطة، وما يجري الآن في الولايات المتحدة الأميركية، حيث بات المحللون لا يخفون مخاوفهم من الرئيس الجديد دونالد ترامب.

هذا الرجل تمّ انتخابه ديمقراطيا رغم قلة خبرته بالحكم، وضعف كفاءته، وتهافت برنامجه الاقتصادي والاجتماعي والصحي، ونيته عزل أميركا عن العالم، سواء بمنع المهاجرين من الدخول إلى أراضيها، أو بانسحابها من اتفاقية التبادل الحر عبر المحيط الهادئ، فمضى منذ الأسبوع الأول يتصرف كفيل في مغازة خزف، يصدر القرار تلو القرار في إخراج مسرحي يثير السخرية، على نحو قد “يُدخل العالَم في جدار”، ويجعل صدام الحضارات أمرا مفعولا. كل ذلك بسبب الديمقراطية.

لنقرأ مثلا ما قاله عنها تودوروف، الذي فارقنا ليلة السابع من شهر فبراير الجاري:

الديمقراطية هي نظام سياسي هشّ لأنها لا تعمد إلى الإكراه، على غرار الدكتاتورية. إلا أن الأفراد والجماعات الذين يؤلفون المجتمع تغويهم دائما فكرةُ مضاعفةِ نفوذهم وإخضاعِ الآخرين. لقد عرفت الليبرالية السياسية الكلاسيكية كيف تتقي ذلك التهديد: لا يكفي أن تكون السلطة بأيدي الشعب بدل ملك مطلق، لكي تكون شرعية، كل سلطة ينبغي أن تكون محدودة.

كذلك فقط يمكن أن نهتم بالتنوع الداخلي في المجتمع. ومن ثَمّ كان فصل السلطات، وتعدد الأحزاب ومصادر الخبر: كل طرف ينبغي أن يكون قادرا على كبح جماح الآخر. في فرنسا اليوم، يخضع البرلمان للحكومة ورئيس الجمهورية، فلا فصل ولا توازن بين السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية. واستقلالية القضاء تهددها التدخلات السياسية، عبر إخضاع القضاة إلى قرارات الحكومة. وكلما جدّت حادثة من حوادث الحق العام، يُستغل أثرها في النفوس للمطالبة بتحوير القوانين نحو مزيد من التشدد. ولا يعني ذلك أننا ضد الديمقراطية، فهي كما قال تشرشل “منظومة سيئة، ولكنها دون سائر المنظومات سوءا”.

كاتب من تونس

15