مستر جونز لكل العصور

الويلزي غاريث جونز صحافي شاب مات في عمر الثلاثين تحت ضربات الجنون والانتقام وهو الذي رأى ما لم يره الآخرون.
الجمعة 2020/03/06
مستر جونز رفضته النخب بسبب أفكاره

الرؤيوية ليست حكرا على العرافين والبصارات من قارئات الكف والفنجان، وهي في كل حقولها الخصبة تثبت، يوما بعد يوم، أن الواقع لا يمكنك وضع قدميك فيه، دون أن تستشرف ما الذي سيكون تحتهما من تراب أو وحول أو مهاوٍ سحيقة.

وسواء تعلقت الرؤى بالتكنولوجيا أو الطب أو الآداب والفنون أو التصورات الأوسع، بما فيها الأمنية والسياسية، فالحال واحدة. فمن ذا الذي يمكن أن يقول لنا لا تفكروا في تطوير البيوت في المناطق المعرضة للهزات الأرضية، مثلا، لأنها قد تقع وقد لا تقع؟

شاهدت قبل أيام فيلما سينمائيا يعيد سرد حكاية الصحافي البريطاني الويلزي غاريث جونز، الذي تنبه مبكرا جدا لمخاطر بعض الظواهر في العالم، ودفع ثمن ذلك غاليا.

الفيلم يعيد سرد حكاية مستر جونز
فيلم يعيد سرد حكاية مستر جونز 

في الوقت الذي كانت فيه أفكار الاشتراكية والشيوعية والعدالة الاجتماعية تكتسح العالم، يستعملها المثقفون والنخب الغربية والشرقية للاغتسال من عصور الظلام؛ لاحظ ذلك الشاب أن الدولة الكبرى التي ترفع تلك الشعارات والتي تعتبر نفسها “كعبة” الشيوعية في العالم، إنما تقوم فيها معادلة غير منطقية. دولة تنمو بسرعة، صناعات ثقيلة وتكنولوجيا وغير ذلك، في الوقت الذي تؤكد فيه المعلومات الموثقة أنها دولة فقيرة. كيف يمكن هذا؟ ومن أين يأتي المال لتحقيق ذلك؟

هذا كان سؤال المستر جونز. الذي حاول قبل انشغاله بهذا الأمر، تنبيه الطبقة السياسية البريطانية لمخاطر رجل مثل هتلر، لكن طرحه لم يقنع السياسيين البريطانيين. بل إنهم ضحكوا من أفكاره الخيالية واعتبروه غير ناضج سياسيا. وحين طرح استفهامه حول الاتحاد السوفييتي واستحالة أن يكون قويا صناعيا بينما هو ضعيف اقتصاديا، تكرر الأمر مجددا مع جونز، ورفضته النخب. فقرر السفر سرا إلى موسكو للبحث عن الحقيقة.

وبعد أن هرب جونز من الرقابة السوفييتية، رأى بأم عينه الحاصلين على جوائز بوليتزر من الصحافيين الغربيين الذين استبدلوا الأمانة المهنية بالتهتك في أجواء موسكو الليلية، واكتشف أن الأمر كله في أوكرانيا التي قرر ستالين أن يحتلها ويجعلها تعيش مجاعة مريعة، بسحب كل إنتاجها من القمح وترك شعبها يأكل لحاء الشجر. فعاد بقصة مثيرة ونشرها في الصحف البريطانية أملا بأن يتنبه أحد ما إلى خطورة ذلك.

لكن الجميع سخر منه مجددا، حتى أن نيويورك تايمز كذّبته، وألصقت به تهمة الجنون. لكن ما الذي اتضح من المشروعين لاحقا؟ مشروع هتلر ومشروع ستالين؟ ومن الذي كان محقا؟ صحافي شاب مات في عمر الثلاثين تحت ضربات الجنون والانتقام وهو الذي رأى ما لم يره الآخرون.

24