مستقبليات: رئيس الوزراء وولي ولي العهد

الثلاثاء 2015/02/17

بدأت فكرة “ولي ولي العهد” عربيا وإسلاميا، بالملك الأموي مروان بن الحكم، حين أعطى ولاية العهد لابنيه عبدالملك ثم عبدالعزيز. لكن المؤرخين لم يعتدّوا بمروان كخليفة شرعي، بل اعتبروه خارجا على سلطة أمير المؤمنين عبدالله بن الزبير. لذا يعتبر عبدالملك بن مروان أول من سنَّ هذه السنة رسميا، فقد فكر في عزل أخيه لكنه التف على ذلك بتتويج ابنه الوليد وليا لولي عهده عبدالعزيز الذي انتقل إلى جوار ربه قبل الجلوس على العرش، فثبت عبدالملك ابنه الوليد وليا للعهد، واختار ابنه الثاني سليمان وليا لولي العهد.

من أجل ابنه، أراد الوليد بن عبدالملك عزل أخيه سليمان، لكن الوزير عمر بن عبدالعزيز وحّد البيت الأموي على رفض ذلك، فكافأه سليمان حين تولى الحكم بتعيينه خليفة للمسلمين من بعده على أن يكون ولي عهده يزيد بن عبدالملك. تولى يزيد الخلافة وعُهد بولاية العهد لأخيه هشام ثم ابنه الوليد بن يزيد. لم يجد هشام في خلفه، المأثور عنه رشق المصحف بالسهام ورغبة الحج من أجل السكر فوق الكعبة، كفاءة أو صلاحا فحاول عزله لما تولى الحكم لصالح أحد أبنائه (سليمان أو مسلمة بن هشام) لكنه فشل أيضا.

عادت هذه السُّنّة مع قيام الدولة العباسية، فالخليفة أبو العباس السفاح عين أخاه أبا جعفر المنصور وليا للعهد، وعين عمه عيسى بن موسى وليا لولي العهد. تولى المنصور الحكم وأراد عزل خليفته، وانتهى الخلاف بثورة قادها عيسى وانهزم، فاستوى حكم المنصور وأصبح ابنه محمد المهدي وليا للعهد.

تولى المهدي خلافته، وعين ابنه موسى الهادي وليا للعهد وأخاه هارون وليا لولي العهد، وحين آل العرش للهادي أراد عزل هارون من أجل ابنه، لكن يد الموت كان لها رأي آخر في ليلة تاريخية فريدة: مات فيها خليفة (الهادي)، وتولى فيها خليفة (الرشيد)، وولـد فيها خليفة (عبدالله المأمون).

لم يتعلم هارون الرشيد من درس التاريخ، بل ارتكب خطأ أفدح، حين عين ابنه الأصغر (محمد الأمين) وليا للعهد، لأن أمه زبيدة عربية هاشمية، وعين ابنه الأكبر من الجارية الفارسية (المأمون) وليا لولي العهد، فقامت حرب الأخوين، بعد رحيل الأب، منتهية بولاية المأمون على جثة الأمين.

بعد ذلك استمرت إطلالة فكرة ولاية ولاية العهد في زمن الانحدار العباسي، وملك الأمويين في الأندلس، مع مشاريع خجولة فاطميا وعثمانيا.

أطل المنصب في السعودية مع الملك المصلح عبدالله بن عبدالعزيز حين عَيّنَ في مارس 2014 الأمير مقرن بن عبدالعزيز وليا لولي العهد، وحين آل العرش إلى الملك سلمان عين الأمير محمد بن نايف وليا لولي العهد بعد انتخاب هيئة البيعة.

تاريخيا، استحدث منصب “ولي ولي العهد” من أجل تثبيت الاستقرار، لكنه لم ينجح في تحقيق هدفه كقاعدة بل تلبية لظرف طارئ. وفي ظرف الملك عبدالله الذي أراد نقل دولته من جيل إلى جيل، ولتثبيت منهجه في الاستقرار، وقـع الاختيار على ثقته الأمير مقرن (أصغر أبناء الملك عبدالعزيز) لتتحقق الغاية، وكان الملك سلمان وفيا لرغبة سلفه، فجمع هيئة البيعة التي اختارت، من ترشيحات سلمان، الأمير محمد بن نايف كأول ملك مستقبلي من أحفاد عبدالعزيز. لذا فإن قرار عبدالله ضروري، كما أن قرار سلمان واجب، كما أن اختيار مقرن ثم محمد بن نايف أروع من ممتاز وأكثر من موفق.

تقتحم المملكة زمنا جديدا مع ملك قوي يتحلى بصفات صاحب القرار الحقيقي، لذا دعونا نفكر معا بصوت مرتفع، بلا مزايدات وبلا ادعاء امتلاك الحقيقة، لنهضة وطننا ورفعته، ومن هذا المنطلق أدعو إلى التأمل في فكرة عدم اعتماد منصب “ولي ولي العهد” كسنة دائمة، إلا في الظروف الموجبة كظرف الأمير مقرن وظرف الأمير محمد بن نايف، والاستعاضة عن ذلك بإحياء منصب رئيس الوزراء تحت مقام الملك بعد عمر طويل لصاحب القرار وولي عهده وولي ولي العهد. وأقترح تغيير مسمى منصب “ولي ولي العهد” إلى “نائب ولي العهد” الأسلس لغويا، أو استبدال مصطلح “ولي العهد” بـ“نائب الملك” ليصبح ولي ولي العهد “النائب الثاني للملك”.

أعتقد أننا يجب أن نركز في المملكة، مستقبلا، على التمييز بين مقام الملك ومقام رئاسة السلطة التنفيذية استنادا إلى السياق السعودي نفسه. في مطلع عام 2003 عدّل الملك فهد نظام مجلس الشورى ليكون الملك مرجعية المجلس بدلا من رئيس مجلس الوزراء مع أنهما، في حقيقة الأمر، شخص واحد، وهذا التمييز موجود، أصلا، في الأنظمة السعودية، فقرارات مجلس الوزراء تُرفع إلى الملك للموافقة عليها، مع أنه ترأس المجلس بصفته رئيسا للسلطة التنفيذية لكن القرارات ترفع إليه، لاحقا، بصفته رئيسا للنظام للسياسي.

لا أحد يطالب بتفريغ مقام الملك من صلاحياته ورمزيته، بل المطالبة واضحة في ارتقاء المقام من رئاسة السلطة التنفيذية إلى رئاسة النظام السياسي حصرا، فهو الحكم بين السلطات ومن يحاسب الحكومة مع مجلس الشورى ومن يشرف ويخطط ويراقب.

التجارب العالمية ثم العربية في التمييز بين رئاسة النظام السياسي ورئاسة السلطة التنفيذية جديرة بالتأمل والاقتداء على سبيل التماثل أو التدرج لإيجابياتها العديدة

الموقف من الدولة، يستدعي الولاء للعلاقة التعاقدية التي مثلها النظام الأساسي للحكم بين المواطن ونظامه السياسي “مجموع المؤسسات التي تتوزع بينها عملية صنع القرار السياسي” من كلا الطرفين، أما الموقف من الحكومة “السلطة التنفيذية” فيستدعي النقد والمحاسبة وضرورة التداول واختبار الثقة.

وهذا التفريق مهم في خلق حق التنوع والاختلاف للصالح العام تحت مظلّة الكيان والولاء للدولة والنظام “والفارق بين الأنظمة الاجتماعية، أن بعضها يعطي الرأي المختلف صفة قانونية فتوفر له الفرصة كي ينتظم ويتفاعل مع الآراء الأخرى، ويسهم بالتالي في إنضاج الحياة العامة، جنبا إلى جنب، مع أجهزة الدولة التي تسعى إلى تطوير أداء المجتمع وإنتاجه” وفق نص توفيق السيف.

إن كانت فكرة الولاء ضرورية في حديثنا عن الدولة وعن النظام السياسي والملك هنا ممثل لهما، فهي خيار في حديثنا عن الحكومة، لأنّ الموقف من أيّ سلطة تنفيذية في العالم يتكوّن بناء على برنامجها وأدائها وتمثيلها لشرائح المجتمع، بينما يتكوّن الموقف من “الدولة” و“النظام” بناءً على قراءة الروابط والمصالح والقواسم المشتركة التي جمعت عناصر الدولة، ورسالة النظام ومنهجه في تعزيز هذه الروابط والمصالح، وإدارة الصراعات الناجمة عنها ومجابهة العراقيل التي تهددها. لذلك فالنظام، أو الدولة، لابد أن يقف في الثبات بنفس القدر الذي يجب أن تخضع فيه السلطة التنفيذية للتغير.

إن التفريق بين النظام والحكومة في السعودية، اليوم، غير ممكن، بسبب رئاسة الملك لمجلس الوزراء، ولأن ثقافة المجتمع لم تتعود ذلك. عاجلا أم آجلا سنجد أن تكريس التمييز لا مناص منه كما فعلت كل الدول العربية ومعظم دول العالم، لأن أخطاء الحكومة مسألة طبيعيّة ولا مفر منها بحكم طبيعة العمل اليومي وجدليته، وبالتالي يجب ألّا يصل استياء بعض شرائح المجتمع من السلطة التنفيذية إلى النظام نفسه بسبب التمثيل أو الأداء أو البرنامج، كما أن هذا التمييز يعزز مفهوم المراقبة أو المحاسبة الذي تحتاج إليه أيّ سلطة تنفيذية، قبل المواطن، لتطوير أدائها أو معالجته، ويتيح فرصة تداول السلطة ويشيع الثقافة السياسية مع ترسيخ معيار الكفاءة، وفي نفس الوقت توسيع الشرائح التي تشارك في صناعة القرار.

التمييز بين مقام الملك ورئاسة السلطة التنفيذية، يعزز بناء دولة المؤسسات والقانون من خلال تدعيم مكانة الملك كرئيس للنظام السياسي، وبالتالي يصبح حكما بين السلطات الثلاث، ويتفرغ للإشراف على الوزارات السيادية وعلى السياسة الخارجية والنفطية والاقتصادية والعسكرية، ويجب أن تكون بيده سلطة محاسبة الحكومة وحلها.

التجارب العالمية ثم العربية في التمييز بين رئاسة النظام السياسي ورئاسة السلطة التنفيذية جديرة بالتأمل والاقتداء على سبيل التماثل أو التدرج لإيجابياتها العديدة، ومنها أن ولي العهد في الكويت كان يرأس الحكومة، ثم انتقل المنصب إلى الشيوخ المرشحين للحكم من أجل الصقل والتجربة. وفي الإمارات يسند المنصب إلى نائب رئيس الدولة، وفي الأردن وفي المغرب يُوكلُ المنصب إلى سياسي أو تكنوقراطي من المواطنين، كما كان الأمر في مصر الملكية وإيران الشاهنشاهية. إن الفكرة ليست طارئة على المملكة، بل لها سوابق في تعيين الملك عبدالعزيز لولي عهده سعود رئيسا للوزراء، وعين الملك سعود وليّ عهده فيصل، أيضا، رئيسا لحكومته.

قبل ولاية ولاية العهد، كان الوهج الموازي منصبّا على منصب “النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء”، فكل من تولاه أصبح وليا للعهد. وأتذكر أننا درسنا في مناهج التاريخ السعودية – لا أعـرف إن عدلت أم لا – أن تعدد ولاية العهد كان من أسباب ضعف الدولة الأموية، ثم الدولة العباسية لأن الخليفة يستهدف المنصب للأقرب من القريب. الأرجح أن تكون التجربة السعودية أوفر حظا في النجاح لاستنادها إلى اختيار هيئة البيعة التي تمثل من يحق لهم الحكم في الأسرة الملكية، لكن ستبقى مشكلة ربط الاستقرار وتداول السلطة بالأشخاص لا بالنظـام وبالمؤسسات، ويجب الأخذ بالأسباب إزاء مستقبل عريض لا يعلم أسراره إلا الله.

في المقابل، إن احترام مقام الملك بتنزيهه عن رئاسة السلطة التنفيذية إلى رئاسة النظام السياسي يُمتّنُ انتظام الحكم وسلامته، ويصالح بين الولاء والاستقرار وبين الدولة الحديثة وقيمها الساعية إلى الحرية والتنوع والتداول.


صحفي سعودي

9