مستقبل أوروبا بين طموح ماكرون وتريث ميركل

غالبا ما كان الإلحاح الفرنسي يُقابَل بالتأجيل من قبل ميركل التي تمارس سياستها المفضلة في الجلوس على طاولة المفاوضات لمناقشة الأفكار الأصلح لبلادها.
الخميس 2018/05/17
حلول ماكرون الاقتصادية لن تضغط على ميركل للإسراع في كتابة شيك على بياض

في 10 مايو الجاري، بمدينة آخن غرب ألمانيا، وقبل دقائق من تسلمه جائزة شارلمان، دعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حليفته المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل لاقتناص اللحظة التاريخية الفارقة لإصلاح الاتحاد الأوروبي، لأن قوة الكيان تمثل ضمانة للحفاظ على عالم سياسي متعدد الأقطاب، وبالتالي فمن الضروري أن يتحدث الاتحاد الأوروبي بلسان واحد.

تُخصص الجائزة للقادة الذين لهم رؤية قوية لمستقبل الاتحاد الأوروبي مثل ماكرون المعروف بحماسته وطموحاته الإصلاحية لبناء أوروبا قوية.

يقترح ماكرون تعيين وزير مشترك للمالية أو اعتماد ميزانية مشتركة، بهدف زيادة استقرار المنطقة، وبناء جيش أوروبي مشترك يستخدم كآلية رد فعل سريع، وفرض ضرائب على أرباح المنتجات التكنولوجية العملاقة التي تُصنّع على أرض أوروبا.

ويواجه الاتحاد الأوروبي صعوبات اقتصادية وشيكة، مثل العقوبات الأميركية المفروضة على الشركات الأجنبية التي تتعامل مع النظام الإيراني، وزيادة فرض الرسوم الأميركية على واردات الاتحاد الأوروبي من الصلب والألومنيوم. كما أن قضايا مثل ضبابية مستقبل الكتلة الأوروبية لما بعد خروج بريطانيا، وتفضيل الأوروبيين لمصلحتهم الوطنية، في ما يعرف بصعود القوميين، قد تسبق إصلاحات ماكرون في أهمية التصدي لها.

وأعلن فريقه أن الإصلاحات الفرنسية للاتحاد الأوروبي التي يعلن عنها في الخطابات، تأتي ضمن إطار خطة بعيدة المدى تركز على الفترة من عام 2030 إلى عام 2050. لكن، لم تجد مبادرات ماكرون انجذابا أو تفاعلا من جانب الدول الأوروبية.

 ففي خطاب مشترك في مارس الماضي، حذّر وزراء مالية الدنمارك وإستونيا وفنلندا وأيرلندا ولاتفيا وليتوانيا وهولندا والسويد من أن إصلاحاته المؤسساتية لن تفشل فقط، لكنها ستفتح الطريق أمام إعادة توزيع الموارد المالية من الدول المتقدمة إلى تلك التي تعاني من الأزمات. وبهذه الطريقة ستقضي حتما على القدرة التنافسية للاقتصاد الأوروبي.

حمل الخطاب في طياته رسالة سياسية محددة، وهي أن ألمانيا وفرنسا لن تقودا منفردتين خطط مستقبل الاتحاد الأوروبي. حتى أن بعض الموقعين على الخطاب المشترك ليسوا ضمن منطقة اليورو، لتكرس الرسالة رفض تلك الدول تقسيم الاتحاد الأوروبي إلى دول أعضاء أساسيين، ودول أخرى لدواع تُجمّل تلك النواة بقشرة خارجية للكتلة الأوروبية.

 كما أنها رُفضت من قبل حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي الذي ترأسه ميركل، لأنها “خيالية” و”لن تتحقق على أرض الواقع”، كما أن ألمانيا، أغنى دولة أوروبية، لن تدفع ثمن الأزمات الاقتصادية لباقي دول أوروبا.

ورغم التحديات التي قد تصعب طموحات ماكرون الإصلاحية، حدد ماكرون وميركل شهر يونيو المقبل موعدا لمؤتمر قمة في بروكسل للاتفاق حول خارطة طريق لمستقبل الكتلة الأوروبية. وغالبا ما كان الإلحاح الفرنسي يُقابَل بالتأجيل من قبل ميركل التي تمارس سياستها المفضلة في الجلوس على طاولة المفاوضات لمناقشة الأفكار الأصلح لبلادها.

ومع رفض أطراف عديدة الإصلاحات، كان تأجيل ميركل لمناقشتها رغبة حقيقية في لم شمل الاتحاد الأوروبي، لكنها لا تمتلك خطة بديلة. فقد كان من المقرر عقد القمة في مارس الماضي، لكنه ألغي لأنه ببساطة لا شيء متاحا للإعلان عنه.

قد يكون التباطؤ في اتخاذ القرار دليلا على ضعف التحالف الفرنسي – الألماني، أو تلخيصا لعدم القدرة على تشكيل أجندة تواكب التحديات الجديدة للتحالف المؤيد لأوروبا أو تبديدا للوقت لأنه لا توجد رؤية مستقبلية واضحة المعالم يعتمد عليها.

تستطيع ألمانيا بكل تأكيد سد الفراغ الاقتصادي الذي يخلفه انسحاب بريطانيا من عباءة الاتحاد الأوروبي. لكن حلول ماكرون الاقتصادية لن تضغط على ميركل للإسراع في كتابة شيك على بياض لدفع فواتير الأزمات الاقتصادية للبلدان الأقل منها، في مغامرة تزلزل القدرة التنافسية لباقي الدول الأعضاء.

عادة ما يلتحم الاتحاد الأوروبي بطريقتين: التفاؤل، مثل إنشاء عملة موحدة لدول الاتحاد الأوروبي، أو ضمّ بلدان جديدة، مثل دول أعضاء في العائلة الأوروبية، أو الإحساس بالخطر، مثل أزمة تدفق الهجرة عبر البحر المتوسط، أو الأزمات الاقتصادية. لكن، اليوم، تلوح في الأفق أجواء مختلفة تخيّم عليها مشاعر عدم الثقة والحذر.

6