مستقبل الإسلام السياسي.. الدولة المدنية أو العنف

الأربعاء 2013/09/25
الدعوة إلى دولة دينية تتأسس على مسوغات سياسية

الدراسات التي انتبهت إلى طرح سؤال مستقبل الإسلام السياسي متعددة ومتنوعة، إلا أنها أصبحت بعد لحظة 30 يونيو المصرية مطالبة بإعادة النظر في مقولاتها السابقة، بالنظر لما أفرزته تلك اللحظة من تداعيات على الظواهر الإسلاموية بشتى أشكالها. مستقبل الإسلام السياسي أصبح في حلّ من التنبؤات السابقة القائمة على أرضيات سياسية وفكرية انقلبت منذ تداعي البيت الإخواني في معقله المصري.

مستقبل تيارات الإسلام السياسي أصبح يطرحُ وفق قراءات متعددة، يطرح أولا انطلاقا من البعد العربي الإسلامي المخصوص، ويطرح أيضا بربطه بالتأثيرات الخارجية (رهانا أو موقفا)، ويدرسُ كذلك من خلال قدرته الذاتية على «موجوده» الفكري والسياسي والديني و»منشود» الجماهير العربية الإسلامية.

دون الإسهاب في العودة إلى ما حدثَ قبل وأثناء وبعد اللحظة المصرية التي عصفت بأحلام الإسلاميين السلطوية، يجدرُ أن نشير إلى وصول الإخوان إلى السلطة في مصر وتونس كان اختبارا حقيقيا لقدرة التيارات الإسلامية عموما، والإخوان بشكل خاص على تقديم بدائل سياسية واقتصادية تخرج من دائرة التنميط الديني للقضايا والمسائل، وتضع هؤلاء أمام أسئلة يومية واقعية عيانية وعملية. لذلك اعتبر البعض أن سقوط الإخوان كان فشلا ذريعا في توظيف البعد الديني في الحقل السياسي.

بناء على ما تقدم أصبح مستقبل الإسلام السياسي يطرح انطلاقا من تجربة في الحكم، وإن كانت قصيرة، لكن الأهم في هذا أن تقييم الإسلاميين خرج من دائرة دأب هؤلاء على توظيفها وتسويقها وهي دائرة «المظلومية» التي أجادوا استثمارها بأقصى ما أتيح لهم من استثمار. من مظلومية نشأت بتراكم عقود من الاستبداد إلى تجربة حكم (توقفت في مصر بعملية جراحية وتتواصل في تونس بتعثر وترنح شديدين) فشل الإخوان فيها في تحقيق وعودهم وفي ملائمة أرضياتهم الدينية مع واقع مركّب ينتظر حلولا عاجلة.

الخروج من المظلومية إلى الحكم، جعل الإخوان وأجوارهم من التيارات الإسلامية الأخرى (باعتبار تكشّف كل التيارات الإسلامية للعيان بعد وصول الإخوان إلى الحكم، الذين رفعوا أيضا رداء المظلومية عن إخوتهم من سلفيين وتحرير وغيرهم) أمام محكّ التقييم الشعبي والجماهيري والسياسي في مرحلة أخرى (من خلال المعارضة التي قامت ضد حكم الإخوان). وهو محكّ شعبي استنزف واستهلك مسكّنَ «المظلومية» والقول بأن هؤلاء «يخافون الله» أو إنهم «سيحكمون بما أنزل الله»، وباشر اعتماد مقاييس أخرى تنطلق من الانتظارات اليومية كالخبز والشغل والمطالب الاجتماعية العاجلة الأخرى.

المهم أن الفشل السياسي في تنفيذ الوعود وفي حلّ المشاكل المتراكمة التي تعود أغلبها إلى عقود من الاستبداد والظلم والمحسوبية والزبونية والتخلف، أدى إلى نفاذ مفعول صورة التيارات الإسلامية النقية التقية البريئة من شوائب الفساد، فالوضع الاقتصادي والاجتماعي كان يحتاج عقلا سياسيا، لا ذواتا مؤمنة. ولذلك فشل هؤلاء.

أولى تجليات مستقبل الإسلام السياسي تبدأ من هذه النقطة بالتحديد، حيث أيقنت قطاعات واسعة من الشعوب التي حُكمت إسلاميا، أن التيارات الإسلامية غير قادرة على التصدّي للمشاكل المستعصية المتراكمة.

في سياق آخر، أثرت هرولة الإخوان في مصر وفي تونس نحو تطبيق التمكين والهيمنة على الدولة ومقدراتها وهياكلها (حماية لأنفسهم من الأعداء والخصوم أو سعيا إلى إرساء حلم «الخلافة») في صنع رأي عام سياسي وإعلامي وثقافي مضاد لبرامجهم ومشاريعهم، وحتى لما يدبّرون بليل المجالس. فسارعت هذه القوى (المدنية والعلمانية ثم التحقت بعد ذلك القوى الإسلامية وهي مفارقة) إلى كشف ما يضمر إخوانيا وكثفت من نسق معارضتها. كان قطب رحى الخلاف هنا شعاره الدولة المنتظرة؛ هل تكون مدنية ديمقراطية مثلما حلمت بذلك أجيال سياسية متعاقبة، أم دولة دينية تعيد إنتاج أمثلة أسوأ من سوابق الاستبداد. كان ماثلا- في هذا الصدد- أمام النخب السياسية العربية أمثلة عديدة لما «وفّرته» دول دينية أو حتى نزوع إلى تلك الصنوف من الدول، حيث شهد الجميع ما حلّ بالجزائر والصومال وأفغانستان والسودان ومؤخرا بالعراق من تبعات استحضار المشاريع الدينية في الجانب السياسي.

يضافُ إلى البعد المحلّي المخصوص الذي أشرنا إليه، بعد خارجي ساهم بدوره في رسم تصور لما يمكن أن يكون عليه مستقبل الإسلام السياسي. هنا تبدو المسألة أكثر تعقيدا وتداخلا.

فبالنظر لرهان القوى الغربية (الأميركية في المقام الأول) على نموذج «مخفف» أو «معدّل» للإسلام السياسي، يكون بديلا لمنتجات الإسلام السياسي الراديكالي، تلك التي تجرّعَ مرارتها العالم بأسره؛ إرهابا وتفجيرا وتكفيرا، فشل الإسلام المخفف أولا في تقديم الصورة المنتظرة خارجيا بنكوصه عن «تعهداته» لرعاته الخارجيين ووكلائهم المحليين، حيث غلب «الطبع التطبّع» وانتصر الولاء لمبادئ قديمة من قبيل الحاكمية والولاء والبراء و»إسلام التنظيم وجاهلية من عاداه» وغيرها من المقولات الفكرية التي ترعرعت عليها الجماعات الإخوانية ونهلت من معينها أكثر التنظيمات الإسلامية تشددا وغلوا.

وكان الارتباط الإخواني- السلفي دليلا آخر على عجز التيارات الإخوانية على فكّ ارتباطها بأخواتها من التنظيمات المتطرفة، بل كانت ترى في تلك الجماعات «الجامحة»- بالمنظور الغربي- خزانا انتخابيا وشعبيا قد يحسم المستقبل والوجود أمام الخصوم والأعداء. وتبدّى ذلك واضحا في علاقة الأحزاب الإخوانية الحاكمة بالتنظيمات السلفية سواء في مصر أو في تونس.

بين الإفلاس الداخلي، وانتهاء صلوحية الرهان الخارجي، يبدو مستقبل التيارات الإسلامية ومن ورائها ظاهرة الإسلام السياسي برمتها، أمام مستقبل محكوم بخيارين.

إما ان تراجع (في العمق) مقولاتها وتمثلاتها للدولة والمجتمع والسياسة، وتنضبط لمقومات الدولة المدنية (التي لم تعد خيارا بالمقاييس المعاصرة للحوكمة وإدارة الشأن العام بل أصبحت ضرورة حتمية) وهذا تمشّ يصعب أن تنصاع له التيارات الإسلامية بالنظر لأنه يتناقض مع أسس وجودها وقيامها. أما الخيار الثاني فيتمثل في أن تمارس «عنادا» سياسيا وتسعى إلى فرض ثوابتها على المجتمع بالقوة، وهو ما يعني احتراقها بالنار التي ستوقدها، لأن لجوءها للعنف سيزيد في عزلتها وستمجها الجماهير بمختلف انتماءاتها.

نخلصُ إلى أن الإسلام السياسي، بخروجه من هالة «المظلوم»، إلى محك «الحكم»، جمع كلّ عناصر انتهائه وتحلله. وأولى بوادر ذلك تكمنُ في الأصوات الإسلامية المنادية بعودة الجماعات الإخوانية إلى مدارها الدعوي القديم، وإلى ضرورة فكّ الارتباط بين الجماعة والحزب وهو ما يعيدنا إلى الخيارين الذين أسلفنا ذكرهما: الدولة المدنية أو العنف.

13