مستقبل الاتحاد الأوروبي على محك الأزمات الداخلية والخارجية

الاثنين 2015/10/12
فرضية خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي تعجل بتفككه واندثاره

لندن - مع تجاوز حالة الركود الاقتصادي في منطقة اليورو عامها السابع دون تغييرات ممكنة، ومع ظهور مشاكل جديدة على أكثر من صعيد وفي أكثر من دولة، أصبح مستقبل تواصل التكامل بين قوى الاتحاد الأوروبي على المحك لا سيما أمام تلويح بعض الدول بالانفصال. الأمر الذي بات يرجح بإمكانية حدوث سيناريوهات جديدة قد تصل حد تلاشي البنية الكاملة للاتحاد الأوروبي على المديين المتوسط والطويل.

ويواجه الاتحاد الأوروبي اليوم العديد من المشاكل التي ظهر بعضها مؤخرا نتيجة لبعض المتغيرات الحديثة، فيما يأتي بعضها الآخر كتراكمات لمشاكل لم يتم حسمها بنجاعة من طرف دول منطقة اليورو، حيث دعت ألمانيا على لسان مانفرد فيبر، عضو الحزب المسيحي الاجتماعي بولاية بافاريا الألمانية ورئيس الكتلة البرلمانية للمسيحيين الديمقراطيين في البرلمان الأوروبي، إلى إعادة التفكير في السياسة الخارجية والسياسة الأمنية للاتحاد الأوروبي. ويدخل هذا التصريح في إطار دعوات متتالية من الجانب الألماني بهدف التباحث من أجل صياغة أكثر تلاؤما مع ما يشهده الاتحاد من تحديات جديدة على أكثر من صعيد.

وتشهد أغلب الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي على المستوى الاقتصادي تراجعا كبيرا في أنظمتها الاقتصادية، فإلى جانب ضعف الأسواق المالية الأوروبية، والتراجع اللافت لمؤشرات نموها التي أدت إلى ارتفاع نسبة البطالة التي بلغت أرقاما هائلة في العديد من البلدان المؤثرة في الاتحاد، تعيش البنوك الرئيسية في اليونان انهيارا كبير، إلى جانب المصاعب المالية التي تشهدها قبرص اليوم، فضلا عن عدم استقرار اقتصاد معظم الدول الأعضاء الأخرى باستثناء ألمانيا التي حافظت على مؤشر نمو اقتصادي عال. وقد أكدت آخر التقارير الإعلامية الأوروبية أن اليونان التي تعيش أكبر الأزمات في أوروبا بلغت قيمة ديونها 180 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، فيما بلغت ديون إيطاليا إلى 133 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي يليها البرتغال بنسبة 128 بالمئة فأيرلندا 108 بالمئة،إلى جانب ديون بريطانيا التي تقارب نسبة 91 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي.

وقد تبعت هذه المصاعب الاقتصادية مشاكل اجتماعية حادة في أغلب بلدان الاتحاد التي ترجمتها العديد من المسيرات الاحتجاجية الكبرى التي عبرت عن استيائها من أداء الفاعلين السياسيين داخل الاتحاد الأوروبي وطالبت في عدة مناسبات بالانفصال عنه. الأمر الذي أربك القوى الكبرى داخل هذا الهيكل على غرار ألمانيا وفرنسا وبريطانيا التي لم تنجح في تقديم رؤية موحدة حول آليات إعادة بناء الاقتصاد الأوروبي.

محاولة إيجاد صيغة مشتركة للتعامل مع ظاهرة الهجرة التحدي الأكبر الذي يواجه دول الاتحاد الأوروبي

وقد ألقى ذلك بظلاله على أداء الاتحاد الخجول في ما يتعلق بالقضايا الخارجية المطروحة اليوم على أكثر من جبهة داخل أوروبا وخارجها لا سيما أمام صعود الصين كفاعل جديد على الساحة، وتزايد الدور الذي باتت تلعبه روسيا على المسرح الدولي في مقابل تعثر أوروبا. وهو ما دفع المحللين إلى الإقرار بأن هذا الوضع لن يعزز من رغبة الشعوب الأوروبية في الاندماج داخل هذه المنظومة التي باتت تطرح العديد من نقاط الاستفهام حول فاعليتها الداخلية والإقليمية والدولية. وهذه المسألة باتت تطرح بقوة اليوم في ظل عودة أحزاب اليمين وأقصى اليمين إلى الساحة السياسية بقوة مرفوقة بدعوات لفض الشراكة الأوروبية.

وعلى مستوى العلاقات الداخلية للاتحاد الأوربي تشكل تهديدات بريطانيا الجدية بالانفصال مشكلا آخر يثقل كاهله، ويهدد أكثر من ذي قبل بتراجعه وضعف فاعليته. حيث أصبح الاتحاد حسب ديفيد كاميرون رئيس الوزراء البريطاني، الذي دعا في مناسبات عديدة إلى خروج بلاده من الاتحاد الأوروبي، أكثر تدخلا وتقييدا لحياة الأوروبيين، أو بمعنى آخر أصبح عبئا كبيرا عليهم. وقد حددت بريطانيا التي انضوت تحت لواء هذا الاتحاد منذ سنة ،1973 عام 2017 موعدا لإجراء استفتاء حول هذا الانفصال من عدمه.

ويرجح عدد من المراقبين أن يكون التصويت لصالح خروج بريطانيا من الاتحاد، خاصة وأن آخر استطلاعات الرأي البريطانية تشير إلى أن البريطانيين يؤيدون فرضية الانسحاب.

ومن جهة أخرى أدى تفاقم الصراعات والحروب في منطقة الشرق الأوسط ودول شمال أفريقيا إلى تدفق أعداد كبير من اللاجئين نحو أوروبا، لتزيد هذه المعضلة من حدة المشاكل التي تعانيها القارة.

وتطرح موجات اللاجئين الجدد مخاوف كبرى من وقوع أعمال إرهابية يقوم بها متطرفون قد يستغلون الوضع للدخول إلى أوروبا كلاجئين دفعتهم الحروب والأوضاع الساخنة في أوطانهم إلى الهجرة.

كما أحرجت المبادئ الإنسانية للاتحاد الأوروبي الفاعلين السياسيين في هذه الدول، على اعتبار أن المنطق الإنساني المعمول به أوروبيا يحتم قبول موجات اللاجئين ومنحهم حق اللجوء، في الوقت الذي لا ترغب فيه هذه الدول بإحداث أي تغييرات ديموغرافية وثقافية جديدة قد تعمق بعض مشاكلها القائمة في هذا الإطار. وهو ما خلق تباينات كبيرة في مواقف الدول المنضوية داخل الاتحاد الأوروبي. ويرجح بعض المتابعين أنها قد تضرب على المدى القصير والمتوسط هيكلة الاتحاد خاصة في ظل وجود إشكالية الحدود.وستكون محاولة إيجاد صيغة مشتركة للتعامل مع ظاهرة الهجرة التي دعت إليها المستشارة الألمانية انغيلا ميركل التحدي الأكبر الذي سيواجه دول الاتحاد لا سيما في ظل الأزمات الاقتصادية الخانقة. بل قد يكون الامتحان الأبرز الذي سيحدد مدى قدرة هذا الهيكل على استيعاب المشاكل الكبرى المطروحة عليه وفق رؤية موحدة.

وعموما ورغم التخمينات التي تذهب إلى ترشيح إمكانية انهيار هذه المنظومة الكبرى في ظل واقع دولي وإقليمي يلقي بظلاله الوخيمة على الدول الأوروبية، فإن أفاق نجاح واستمراره تبقى الفرضية المرجحة أكثر من غيرها حاليا بالنظر إلى التبعات الكارثية التي ستواجهها كل الدول الأعضاء في حال فشل تجربة الوحدة.

7