مستقبل الدولة العربية مهدد إذا لم يتجاوز العرب حروبهم نحو سلام مجتمعي

في إطار فعاليات مؤتمر “مستقبل المجتمعات العربية” الذي تنظمه وحدة الدراسات المستقبلية بمكتبة الإسكندرية، قدم عدد من الباحثين العرب سلسلة من المحاضرات تتناول مرحلة ما بعد الربيع العربي، ووضعية الجغرافيا العربية بما تتضمنه من دول وثروات وشعوب وموقع عالمي استراتيجي. وقد قدم كل من الباحث التونسي عبدالمجيد الشرفي محاضرة حول مصير الدولة القُطرية العربية ومستقبلها في ظل تصاعد الحروب الداخلية والطائفية، كما سلط الباحث المصري والسفير السابق عزمي خليفة الضوء على الدولة القومية ومقومات قوتها الجديدة، في ظل التغيرات الرقمية والتكنولوجية المتسارعة التي يعيشها العالم اليوم.
الخميس 2016/09/08
حضارة أنهكتها الحروب

الإسكندرية (مصر) - لم يعد للمنطقة العربية نفس الدور والوزن اللذين كانا لها أيام ازدهار الحضارة العربية- الإسلامية وحتى منذ اكتشاف النفط في العصر الحديث، وأصبحت مناطق أخرى من العالم تستحوذ على الاهتمام نظرا إلى وزنها الاقتصادي مثل الصين والهند وجنوب شرق آسيا عموما ومثل البرازيل في أميركا الجنوبية، فضلا عن وزن الولايات المتحدة وأوروبا. هذا ما أكده المفكر التونسي عبدالمجيد الشرفي رئيس المجمع التونسي للعلوم والآداب والفنون “بيت الحكمة” في محاضرته “الدولة القُطرية إلى أين؟” التي أدارها الباحث خالد عزب ضمن فعاليات مؤتمر “مستقبل المجتمعات العربية” الذي تنظمه وحدة الدراسات المستقبلية بمكتبة الإسكندرية. ولكنه استدرك قائلا إنه ورغم الوضع الحالي، فإنّ المنطقة العربية مازالت رغم ذلك محل اهتمام ومتابعة من قبل رجال السياسة والأكاديميين وحتى من قبل الرأي العام الدولي.

وقال الشرفي معللا طرحه المتعلق بضعف الدولة القُطرية العربية في المستقبل “ليس بخاف أنّ الموقع الجغرافي للمنطقة في مفترق ثلاث قارات من جهة، وكونها مهد الديانات التوحيدية الثلاث الكبرى ومهد حضارات عريقة ضاربة جذورها في التاريخ من جهة ثانية، وطبيعة العلاقات الصدامية بين القوى الإقليمية (بيزنطة والساسانيون، العثمانيون والصفويون…) ومع أوروبا، من الحروب الصليبية في القرون الوسطى إلى الاستعمار المباشر في العصر الحديث، من جهة ثالثة، هذه العوامل مجتمعة تفسّر إلى حدّ بعيد ما تحظى به المنطقة من اهتمام بالغ لدى كلّ الدوائر، فضلا عما تزخر به من ثروات باطنية، ولا سيّما البترول والغاز اللذين هما عصب النشاط الصناعي والاقتصادي في عالمنا”. ومعنى ذلك أنّ مصالح أبناء المنطقة ليست هي المحدّدة وحدها لسياستها بقدر ما هي متفاعلة سلبا وإيجابا مع مصالح القوى العظمى والقوى الإقليمية ومصالح الشركات المتعدّدة الجنسية. وهذا ما يبرز بوضوح منذ انتصاب الاستعمار البريطاني في مصر سنة 1882 وعديد المعاهدات غير المتكافئة التي أبرمتها بريطانيا مع شيوخ الخليج وخاصة منذ اتفاقية سايكس- بيكو سنة 1916 ووعد بلفور سنة 1917 بإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين، ومنذ تفكيك أواصر المنطقة على إثر انهيار السلطنة العثمانية.

البديل ليس في العودة إلى نقطة الانطلاق وإنما هو تجاوز البنى السياسية والاجتماعية والثقافية التي أدت إلى الكارثة

ورأى الشرفي أن الدول الوطنية والأنظمة القُطرية التي قامت في عشرينات القرن الماضي هي كيانات تفتقر جلّها، وباستثناء مصر، إلى البعد التاريخي، بل يفتقر العديد منها إلى المقوّمات الأساسية الضرورية للدولة بمعناها الحديث. وإن كان موقف الولايات المتحدة الأميركية وقتها مساندا لقيام مملكة عربية موحدة فإنّ الموقف البريطاني القائم على سياسة “فرّق تسد” هو الذي كانت له الغلبة وهو الذي تجسّم على أرض الواقع، ثم اعتبرت الولايات المتحدة عندما أصبحت بعد الحرب العالمية الثانية القوة العظمى، وقد عوّض تأثيرها تأثير بريطانيا، أنّ هذا التقسيم يخدم مصالحها، ولم تنفك عن مساندته بشتى السبل.

أضف إلى ذلك أنّ زرع الكيان الصهيوني في قلب المنطقة والمساندة المطلقة والمتعدّدة الأشكال التي لقيها ومازال يلقاها من الغرب عموما، خلق للعرب وضعا في منتهى الصعوبة نظرا إلى ما حقّقته إسرائيل منذ إنشائها سنة 1948 من تفوّق عسكري على كلّ دول المنطقة مجتمعة ومن تقدّم علمي وتكنولوجي باهر. وبما أنّ طبيعة هذا الكيان دينية عنصرية فمن البديهي أنّه يسعى إلى أن يكون محاطا لا بدول قويّة بل بكيانات على شاكلته ولكنّها ضعيفة متناحرة في ما بينها ومبنية كلّها على أساس طائفي أو إثني.

ولفت الشرفي إلى ضرورة الابتعاد عن نظرية المؤامرة ومسؤولية الآخرين في معاناة شعوب المنطقة. وقال “إنّ الاستعمار لا يتسلّط إلاّ على من هو قابل للاستعمار نظرا إلى ضعفه، وإنّ الاستبداد لا يجد له موطئ قدم إلاّ عند الشعوب التي لم تبلغ درجة من النضج تحميها من الممارسات الاستبدادية سواء كان ذلك في مستوى الدولة أو في مستوى المجتمع وفي مستوى العلاقات الأسرية. وفي هذا النطاق لا يسعنا إلاّ أن نعود إلى أركان الثقافة السائدة منذ انحسر المجهود العقلي الذي حمل لواءه المعتزلة حتى القرن الرابع الهجري/ العاشر الميلادي، ومنذ سادت الأيديولوجيا الأشعرية ونظرتها الذرية متخلية عن مسؤولية الإنسان في خلق أفعاله لفائدة القوى الغيبية ولفائدة قراءة حرفية للنصوص، أي لفائدة استقالة تامة للعقل البشري جسمتها الحنبلية الشعبوية، رغم انتفاضات شخصية محدودة من داخل الحنبلية والأشعرية ومن خارجهما للتخلص من ربقة التقليد وعبادة النصوص. هذه الثقافة أفرزت، كما هو متوقّع، سلوكات تتسم بالتواكل والرضا بالدونية، وذهنيات لا أثر فيها لروح المبادرة والتجديد والابتكار، بما أنّها تؤمن بأنّ كلّ محدثة بدعة، وكلّ بدعة ضلالة، وكلّ ضلالة في النار”.

عبدالمجيد الشرفي: يجب الابتعاد عن نظرية المؤامرة ومسؤولية الآخرين في معاناة شعوب المنطقة

وأوضح أن إبراز العامل الثقافي والتأكيد على أهميته لا يأتي باعتباره العامل الوحيد المفسّر للأوضاع التي يعيشها العرب في العصر الحديث بل لأنّ دوره كان مساعدا على تعميق مأساتهم على مختلف الأصعدة. وليس أدلّ على ذلك من أن ما يعرف بحركات الإصلاح، من منتصف القرن التاسع عشر إلى منتصف القرن العشرين إجمالا، ركّزت على العامل الثقافي والديني منه على وجه الخصوص وحاولت زحزحة المسلّمات التي رسخت في الأذهان لتهيئتها لقبول ما ليس منه بدّ من التغيير السياسي والاجتماعي والاقتصادي، وبيان أنّ تلك التغييرات الضرورية لا تتنافى ومقتضيات الدين.

وأشار الشرفي إلى أن كلّ الدول الوطنية العربية شهدت منذ الحرب العالمية الثانية بالخصوص قيام مؤسّسات سياسية توحي شكليا بما هو موجود في الأنظمة الديمقراطية للدول القومية الحديثة لكنها بعيدة من حيث المحتوى وفي روحها عن تلك الأنظمة، وتكرّس في الأغلب استبداد شخص أو مجموعة، ولا تأخذ بعين الاعتبار إلاّ المصالح الفئوية سواء كانت عشائرية أو قبلية أو جهوية أو طائفية وما ماثلها. ولهذا فإن وجدت البرلمانات فهي عبارات عن “غرف تسجيل” أكثر منها مؤسّسات تشارك بتمثيليتها في ممارسة الحكم.

وتساءل الشرفي عن مصير الدول الوطنية القائمة على ضوء ما تشهده العراق وسوريا وليبيا واليمن والسودان من صراعات دموية مأساوية تغذيها المطامع الخارجية وتدور تحت شعارات مختلفة ومتناقضة أحيانا، مثل إقامة دولة الخلاقة ومقاومة التشدّد الديني، أو أحقية الأغلبية في الحكم والدفاع عن الوحدة الوطنية، أو الذود عن الخصوصيات المذهبية وضرورة الارتقاء إلى علاقات المواطنة المتساوية، إلى غير ذلك من التبريرات ذات الصبغة الطائفية والعشائرية القبلية والإثنية التي لا تفصح في الغالب عن حقيقتها ولكنها شفافة عن مصالح فئوية لا تجرؤ على الإفصاح عن نفسها، بل قد يكون المنخرطون فيها غير واعين بالرهانات الداخلية والخارجية التي وراءها.

وأوضح أنه متى اقتنع الجميع بعبثية هذه الحروب فإن البديل ليس في العودة إلى نقطة الانطلاق وإنما هو تجاوز البنى السياسية والاجتماعية والثقافية التي أدّت إلى الكارثة نحو حلول تأخذ في الاعتبار ما يجمع سكان المنطقة ويعرض عما يفرّقهم. لكن إن كان الظرف العالمي وانعكاسات اقتصاد السوق والنظرة العدائية للإسلام والمسلمين ليست عوامل مساعدة فإن الإرادات الحرة في الحياة الكريمة كفيلة بالتغلب على كل الصعاب وباستنباط الحلول الملائمة النابعة من الواقع والمتجاوزة له في الآن نفسه.

وقد يبدو هذا التوصيف مثاليا، إلا أن حركة التاريخ تتجه نحوه وما يعتمل في أعماق المجتمع من تيارات يغيّبها الخطاب السائد حقيقة لا سبيل إلى إنكارها. فالعلمنة المرفوضة بتعلة أنها منافية للإسلام ولقيم مجتمعاته تشمل بصفة تدريجية جل ميادين الحياة، إذ حل التشريع الوضعي محل أحكام الفقه، ولا تُستثنى من متعلقاته بدرجات متفاوتة سوى الأحوال الشخصية. وكذلك الأمر بالنسبة إلى سيرورة العقلنة في تنظيم الحياة الاقتصادية والإدارية. وهاتان الظاهرتان مؤثرتان تأثيرا بليغا في شتى مجالات الحياة، ولكن تأثيرهما خفي لا يلفت الانتباه ولا يشدّ إليه اهتمام الإعلام.

6