مستقبل العالم بعد المئوية 1914 – 2014: العولمة تصوغ نظاما جديدا

الثلاثاء 2014/06/03
مجسم للعالم الجديد، في عصر العولمة، نحته فنان هندي من أوراق صحف تصدر من مختلف أنحاء العالم

لندن- جاءت ذكرى مئوية اندلاع الحرب العالمية الأولى (1914 – 1918) مناسبة لإعادة النظر في مسألة النظام العالمي في ظلّ المتغيّرات التي طرأت عليه والأحداث التي قال مراقبون إنها تشكّل مرحلة انتقالية نحو نظام عالمي جديد على غرار ما حدث خلال الحرب العالمية الأولى. وفي دراسة لهذه المتغيّرات يعقد المعهد الملكي البريطاني للدراسات الدولية مؤتمر لندن حول “العولمة والنظام العالمي”.

يشكّل موضوع “العولمة والنظام العالمي الجديد”، مجال بحث ودراسة ضمن مؤتمر لندن الذي ينظّمه المعهد الملكي البريطاني للدراسات الدولية، “تشاتام هاوس″.

يهدف مؤتمر لندن، (ينعقد اليوم 3 يونيو 2014)، إلى تحقيق مناقشة شاملة حول المخاطر التي يواجهها العالم، على خلفية التطور المتواصل لعملية العولمة، ويجمع كبار صناع القرار في مجالات السياسة والأعمال والمجتمع المدني والأوساط الأكاديمية لمناقشة سبل تعزيز التعاون وسد الفجوة بين الحكومات والجهات الفاعلة الأخرى التي تشارك في إدارة التحول في القوة الاقتصادية والسياسية في العالم.

وقد أعدّ المعهد البريطاني مجموعة من الدراسات والتقارير، لمساعدة المشاركين في تحديد بعض هذه المخاطر والتغيرات ودراستها، تحت العناوين التالية:

* العولمة والنظام العالمي: 1914 مقابل 2014

* العولمة: الفائزون والخاسرون

*السلطة والحكم في العصر الرقمي

* الموارد الأمنية والجغرافيا السياسية

* والآن؟ الخطوات الأولى نحو عالم متوازن من جديد

الدراسة الأولى تحمل عنوان “العولمة والنظام العالمي: 1914 مقابل 2014″ وجاء فيها أن صعود قوى جديدة، خاصة الصين، مع التراجع الظاهري لأول قوة في العالم، أي الولايات المتحدة الأميركية، يحملان صدى الانتقال الجيوسياسي الذي حصل في مطلع القرن العشرين، إذ كانت بريطانيا في بداية تدهورها، وكانت الصين الرجل المريض في آسيا، بينما ألمانيا واليابان والولايات المتحدة في صعود.

تستطرد الدراسة موضّحة أن العالم، اليوم، يبدو بصدد دخول فترة من الاضطراب الأمني الخطير، لكن استعمال مقارنات تاريخية يحمل مخاطر. فليس قدرا محتوما أن يتبع صانعو القرار اليوم مسارا شبيها بنظرائهم الذين حكموا في القرن العشرين. كما أن العالم مختلف كثيرا عما كان في سنوات 1914 و1938 و1954.

تغير موازين القوى العالمية

يمرّ النظام العالمي حاليا بمرحلة إعادة توازن بشكل عميق في ما يتعلق بالثقل النسبي الذي تمثله البلدان الكبرى في الاقتصاد العالمي. في سنة 2000 كان نصيب كل من الولايات المتحدة واليابان والاتحاد الأوروبي من مجموع الناتج المحلي الخام في العالم 31 بالمئة و14 بالمئة و26 بالمئة تباعا، بينما كان نصيب الصين، ودول جنوب شرق آسيا (آسيان)، ومجموعة دول أميركا اللاتينية والكاريبي 3.7 بالمئة و1.5 بالمئة و6.6 بالمئة تباعا.

على عكس ذلك بحلول 2018 سيتقلص نصيب الولايات المتحدة واليابان والاتحاد الأوروبي إلى 21.6 بالمئة و6 بالمئة و20 بالمئة، تباعا، بينما سيرتفع نصيب الصين، وبلدان جنوب شرق آسيا، وأميركا اللاتينية إلى 15.3 بالمئة و3.3 بالمئة و8.3 بالمئة، تباعا.

العولمة – بمعنى فتح الأسواق الوطنية للتجارة ورأس المال الدولي والاستثمار الأجنبي، وما ينجر عن ذلك من تدفق للتكنولوجيا على المستوى العالمي – هي المحرك لإعادة التوازن لاقتصادي هذا. والعولمة هي إعادة الربط بين حجم سكان البلاد وحجم الناتج الداخلي الخام في مناطق واسعة من العالم. وهذا قد يؤدي إلى استرجاع الصين والهند نصيبيهما من الإنتاج الاقتصادي العالمي على مدى مئات السنين إلى منتصف القرن التاسع عشر.

هناك عاملان آخران يكشفان عن الاختلاف بين 1914 و2014، هما: أولا، هشاشة القوى الصاعدة حاليا، التي يتوجب عليها تجاوز فخ الدخل المتوسط لكي يتسنى لها تحويل التصنيع إلى رفاه مستدام في الداخل ونفوذ في الخارج، وثانيا صمود القوى الحالية مثل ألمانيا والولايات المتحدة حيث يبدو أن التنظيم المجتمعي وتنظيم الشركات يعوضان نقاط الضعف الظاهرة في الحوكمة المحلية.

صعود قوى جديدة وتراجع أول قوة في العالم يحملان صدى الانتقال الجيوسياسي الذي حصل في مطلع القرن العشرين


المخاطر أمام النظام العالمي

هل يعني هذا الترابط العالمي الهائل بين البلدان والمجتمعات نهاية الصراعات واسعة النطاق من النوع الذي شهده العالم قبل 100 سنة و60 سنة؟

العولمة هي عملية قاسية حتى أن المجتمعات التي تعوّدت على أن تكون في القمة هي مجبرة الآن على إجراء تعديلات هيكلية قاسية، مما أدى إلى إحباط شعبي ومطالب بحماية اقتصادية، ودفع إلى صعود الأحزاب والمشاعر الشعبوية في أوروبا واليابان وروسيا والولايات المتحدة. ولا يبدو أن هذه التعديلات ستتسبب في صعود أيديولوجيات شمولية، فبالرغم من مشاعر الإحباط يواصل أغلب الناخبين الأوروبيين التركيز على الأحزاب التي تقدم أنجع حوكمة وطنية.

في المقابل يخلق هذا الترابط بين مختلف البلدان في القرن الحادي والعشرين نقاط ضعف خاصة به:

* أولا يمكن أن يعني الترابط للبعض التبعية للآخرين، إذ يركز الزعماء اليابانيون على عدم منطقية تنامي التوترات مع الصين بالإشارة إلى الاستثمارات الكبيرة التي قاموا بها في الصين والنمو الذي سجلته التجارة البينية بين البلدين.

ومن وجهة نظر صينية جعلت اليابان نفسها مرتبطة بالصين ويمكن أن تكون عرضة للقسر الاقتصادي. وفي سياق مماثل يأمل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن يكون ارتباط أوروبا بالنفط والغاز الروسيين أكبر من ارتباط روسيا بالدخل المتأتي من مبيعات هاتين المادتين مما يمكّن روسيا من إخضاع أوكرانيا.

* ثانيا، النمو الذي أتت به العولمة بصدد إيقاظ الطموحات السيادية للقوى التي كانت ضعيفة سابقا. فعوضا عن الاندماج ضمن هياكل تدعم عناصرها المكونة بعضها البعض من النوع الذي طوره الاتحاد الأوروبي على مدى 55 سنة الماضية، تواصل القوى الصاعدة تعزيز وحماية حقوقها السيادية. وهذا ما يظهره الصعود الدرامي في الإنفاق العسكري العالمي لدى الصين والهند والمملكة العربية السعودية وروسيا، حيث أنفقوا مبالغ إضافية تفوق 22.5 مليار دولار على مدى السنوات الخمس الماضية.

* ثالثا، البلدان التي تمر بمرحلة تراجع نسبي لا تخسر الكثير من تحدي النظام الجديد. من روسيا وباكستان إلى كوريا الشمالية يمكن لصانعي القرار أن يروا موقعهم “كدخلاء” يعطيهم مرونة استراتيجية أكثر (وليس أقل) لخدمة مصالحهم الوطنية مقارنة بجيرانهم.

* رابعا، الجذب التاريخي والعاطفي المتواصل يقوي مخاطر حدوث الصراعات. وتبقى القومية قوة فاعلة في الشؤون الدولية، وباستعادة البلدان نفوذها يمكن أن تطفو الجوانب من الهوية الوطنية العالقة إلى السطح.

وما الدعاية الروسية في مسألة القرم وأكرانيا إلا مثال على ذلك، وفي شرق آسيا نجد نفس الدينامية حيث يستخدم الزعماء الصينيون القوة العسكرية والاقتصادية الصاعدة لفرض مطالبتهم بجزر في بحري الصين الجنوبي والشرقي.

النمو الذي أتت به العولمة بصدد إيقاظ الطموحات السيادية للقوى التي كانت ضعيفة سابقا


إدارة المخاطر والفرص


أمام الصراع الدائر بين قوى الاندماج في عولمة القرن الواحد والعشرين والمخاطر المستمرة للتنافس والصراع في القرن العشرين، ما هي بعض قوى الوساطة التي ستؤثر في الآفاق المستقبلية للسلام والأمن؟

أولا، ما زالت تربط العالم اليوم بنية تحتية مؤسساتية ليس لها مثال على مدى التاريخ. مؤسسات مثل مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة ووكالات مثل محكمة العدل الدولية ومجلس حقوق الإنسان. هذه المنظّمات الدولية تقوم بكشف تجاوزات الدول الأعضاء وحتى وإن كانت غير قادرة في معظم الأحيان على معاقبتها بطريقة ناجعة.

ثانيا، كوننا نعيش في عالم مسلح نوويا أمر يكبح ظهور صراع شامل بالرغم من أن ذلك لم يمنع الصراع داخل الدولة الواحدة. وإلى حد الآن نجحت كل من معاهدة عدم الانتشار النووي ووكالة الطاقة الذرية في الحيلولة دون انتشار السلاح النووي في العالم بصفة موسعة مثلما تخوف العالم في الستينات والسبعينات.

ثالثا، لم تنس الدول الغربية أهمية الردع والأحلاف، ومن ذلك نجد أن الولايات المتحدة أبقت على حضورها العسكري وحافظت على التزامها بالمعاهدات في مناطق مختلفة من العالم على مدى 65 عاما.

كما أن حلف الناتو يستمر في الوجود بالرغم من توقعات بانهياره بعد نهاية الحرب الباردة واختلاف وجهات النظر بين أعضائه حول غايته الاستراتيجية والحاجة إلى تقوية قدراته. كما واصل الاتحاد الأوروبي تعميق العلاقات والروابط بين أعضائه حتى بعد الأزمة المالية العالمية.

وقد وفرت هذه المؤسسات عنصر استقرار في العلاقات الدولية كان غائبا بدرجة كبيرة قبل الحرب العالمية الأولى.

يمر النظام العالمي حاليا بمرحلة إعادة توازن بشكل عميق في ما يتعلق بالثقل الذي تمثله البلدان الكبرى في الاقتصاد العالمي

الظاهرة الرابعة التي تخفف من صعود التنافس السيادي هو بروز الفاعلين غير الحكوميين ذوي التأثير السياسي.

ومن ذلك نجد الشركات والأفراد الذين ترتبط ثروتهم بسلاسل التزويد العالمي وما تنفك مصالحهم تزداد ابتعادا عما يسمى بالمصلحة الوطنية.

إلى جانب ذلك هناك جماعات المجتمع المدني العابر للحدود وهي أيضا تتحدى مصالح الحكومات الوطنية.

الخلاصة

ما سيحدد النظام العالمي خلال القرن الواحد والعشرين هو مدى إيجاد الحكومات والمجتمعات معا توازنا مثمرا بين النمو المتزامن في مستويات المنافسة بين الدول والترابط بينها. وعليها فعل ذلك دون الهياكل الرسمية للحوكمة العالمية أو القيادة المتغطرسة التي تولتها الولايات المتحدة لجل العالم الغربي في النصف الثاني من القرن العشرين. وبناء عليه سيكون من المهم تشريك القوى الصاعدة داخل المؤسسات الدولية الحالية بصفة شركاء متساوين.

إضافة إلى ذلك يمكن لمجموعات البلدان التي لها مصالح مشتركة وهي مستعدة للعمل معا أن تساهم في تقوية القوانين التي تنظم النظام الاقتصادي – ومن ثم النظام السياسي – الدولي. لكن تبقى مساهمتهم في النظام الدولي متوقفة على انفتاحهم على البلدان التي ستنظمّ في المستقبل.

7