مستقبل العلاقات الخارجية الأميركية يخلق تصدعا بين "رجال" أوباما

الأربعاء 2013/11/27
خلافات حقيقية تتمحور حول هوية التوجه بشأن مصر بين رايس وكيري

لندن - أصدر مرصد مراكز الأبحاث تقريرا عن أهم ما تناولته مراكز الأبحاث الأميركية. يستعرض حيثيات وتبلور آفاق السياسة الخارجية الأميركية، لا سيما ما اضحى يتم تداوله في العلن من تباين الرؤى بين طاقمي وزارة الخارجية والبيت الابيض ممثلا بمجلس الأمن القومي.

برز إلى العلن مؤخرا تباين في وجهات النظر داخل فريق أوباما الرئاسي على خلفية وجهة السياسة الخارجية الأميركية نحو مصر. هذه الخلافات اعتبرها البعض تشكل بداية انعطاف في السياسة الرسمية للولايات المتحدة في علاقتها مع مصر في ظل النظام الجديد بعد سقوط الإخوان. بدأت بوادر التوتر تتكشف في أروقة البيت الأبيض، عندما رفض كيري الحديث عن الرئيس المعزول محمد مرسي أثناء اجتماعاته الخاصة مع المسؤولين المصريين، خلال زيارته للقاهرة. وجاء في تصريح لكيري، خلال مؤتمر صحفي في القاهرة، أن مصر "تسير في الطريق الصحيح نحو الديمقراطية". ولم يتردد كيري في وصف تنظيم الإخوان المسلمين بأنه "سرق الثورة المصرية" من أصحابها الحقيقيين.

تسبب هذا التصريح في إثارة غضب مستشارة الرئيس أوباما للأمن القومي، سوزان رايس، التي أوصت وزير الخارجية قبل سفره إلى مصر بضرورة الحديث عن الرئيس المصري المعزول أثناء مؤتمره الصحفي وأيضا خلال اجتماعاته المغلقة.

فاليري غاريت
يتردد أن مستشارة الرئيس، فاليري غاريت، تستحوذ على درجة عالية من ثقة الرئيس أوباما وتتمتع بصلاحيات واسعة تؤثر في صياغة السياسة الخارجية الأميركية، حتى أن البعض أطلق عليها "راسبوتين أوباما،" بل إن رئيس مكتب موظفي البيت الأبيض السابق، رام عمانويل، تشاحن معها مرات عدة وشبهها بعدي صدام حسين لما لها من نفوذ واسع.

ولدت غاريت في شيراز بإيران، عام 1956، لأبوين من عرق مختلط، أبيض وأسود، كما هي خلفية الرئيس أوباما. اتهامها البعض بالتحيز لصالح إيران وانتهاج رؤية ليّنة وناعمة في مسألة برنامجها النووي. ولغاريت الفضل في بقاء سوزان رايس وسمانثا باور في منصبيهما وتعزيز دوريهما داخل طاقم البيت الأبيض للسياسة الخارجية، وضمان ولاءيهما المباشر للرئيس أوباما بخلاف جون كيري الذي يستند إلى قاعدة دعم واسعة من خارج أسوار البيت الأبيض.


مبدأ مونرو


تباين وجهات النظر بين فريقي وزارة الخارجية ومجلس الأمن القومي ليس جديدا أو مقصورا على الإدارة الراهنة، ولكن هذا الخلاف يكتسي أهمية كبرى في ظل تلمس الإستراتيجية الأميركية وجهتها في مرحلة إعادة اصطفافها وترتيب انكفائها من المسرح الدولي بأقل الخسائر الممكنة.

ولعل أدق تعبير عن ذلك يوجد في الخطاب الذي ألقاه وزير الخارجية، جون كيري، مطلع الأسبوع المنصرم أمام مؤتمر لمنظمة الدول الأميركية، والذي ركّز فيه على "رغبة الولايات المتحدة في الظرف الراهن في إعادة انخراطها" في الأميركيتين من جانب، ومن جانب آخر أكد على "نهاية عصر مبدأ مونرو"، الذي صاغه الرئيس الأسبق جيمس مونرو نهاية عام 1823، والذي جرّم فيه الدول الأوروبية لتدخلها في شؤون "الأميركيتين".

وبعبارة أخرى، يمكن القول إن الولايات المتحدة منحت لنفسها احتكار السيطرة على شعوب القارتين في ظل ظروف تراجع وأفول نجمي الاستعماريين الأسباني والبرتغالي في أميركا الجنوبية (اللاتينية) بل في ظرف شارفت مستعمراتهما السابقة على نيل استقلالها من نير احتلاليهما.

وكان الاعتقاد الرائج بين شعوب القارة اللاتينية يفيد بأن "مبدأ مونرو" وضع حجر الأساس لهيمنة الولايات المتحدة على شعوب القارة، تارة تحت عنوان "حماية الدول الصغرى،" وأخرى بالإخضاع المباشر كما تشهد عليه الحرب الأميركية على المكسيك واحتلال كوبا ونيكاراغوا مع مطلع القرن العشرين، ومساندتها لتفتيت كولومبيا وانسلاخ بنما عنها، فضلا عن إدارتها ورعايتها للانقلابات العسكرية المتعددة.

في هذا السياق، ينبغي النظر إلى تصريح وزير الخارجية جون كيري الواعد "بالإقلاع عن مبدأ مونرو" للتدخل. وباستثناء الولايات المتحدة فالدول الأخرى لا شأن لها في التدخل المباشر وغير المباشر للسيطرة على شعوب وموارد القارة الجنوبية. وعليه، فإن تصريح كيري لا يعدو كونه وعدا زائفا لا يلبي طموحات شعوب القارة، التي تعاني بشدة من فرض الولايات المتحدة على حكوماتها الطيعة تسخير موارد بلدانها لخدمة أهداف السياسة الأميركية، بدل استثمارها في النمو والازدهار الاقتصادي، تحت عناوين متعددة منها مكافحة المخدرات ومواجهة موجات الهجرة الجماعية الناجمة عن تضاؤل الفرص الاقتصادية بسبب اختلال ميزان توزيع الثروة.


ضد الإخوان


في ما يخص السياسة الأميركية مع مصر، نطق جون كيري بتسع عشرة كلمة اعتبرها البعض إقلاعا وربما تحديا "لتوجيهات" مجلس الأمن القومي برئاسة سوزان رايس، التي حثت كيري على التشدد في التعامل مع القيادة الجديدة في مصر وطرح مستقبل الرئيس المعزول محمد مرسي ومحاكمته على بساط البحث، إلا أن كيري تجاهل الأمرين وذهب عكس ما كان محدّدا له. ما قاله كيري ضمن سياق أشمل لمعالم السياسة الخارجية الأميركية هو ".. وعندئذ تم سرقتها (الثورة) على يد المجموعة الوحيدة الأفضل تنظيما في البلاد، التي كانت الإخوان المسلمين". إقرار كيري جاء في أعقاب إخفاق المحاولات الأميركية المتكررة للنيل من القيادة الجديدة في مصر وإعادة عقارب الساعة إلى الوراء لصالح الإخوان.

ولا شك في أن خروج كيري عن النص المعدّ له في أروقة مجلس الأمن القومي قد أغضب رئيسة المجلس سوزان رايس التي تحظى بعلاقة وطيدة مع أوباما، الذي حرص من جانب آخر على إطلاق يد وزير خارجيته في بعض الملفات الإقليمية عملا بأولوية الدبلوماسية، عن المواجهة العسكرية غير مضمونة الآفاق والنتائج. وليست هي المرة الأولى التي ينتصر فيها الرئيس الأميركي لصالح فريق على آخر، وفق ما يرتئيه من ميول سياسية واعتبارات داخلية تعزز أجندته.

سوزان رايس
لكل من سوزان رايس وجون كيري أسلوبه المستقل عن الآخر، سيما وأن تجربة كيري الطويلة في أروقة الكونغرس استندت إلى التوصل إلى أرضية مشتركة مع الأطراف الأخرى والاستئناس والتآلف معها، والتحلي بالكياسة الدبلوماسية. أما رايس فتشتهر بشخصية صدامية مع الآخرين. بل تتميز بمزاج حاد بحاجة إلى ترويض، "كما وصفها رئيس مجلس العلاقات الخارجية المرموق، ليسلي غيلب".

بالنسبة إلى أوباما فإن سوزان رايس شديدة الولاء له، إذ كانت خياره الأول لمنصب مستشار الشؤون السياسية منذ حملة الانتخابات الرئاسية لعام 2008. في ظل إدارة أوباما، تعاظم دور مجلس الأمن القومي في ملف السياسة الخارجية على حساب طاقم وزارة الخارجية، مما دفع البعض إلى توصيفها "بتركيز القوة بين يديها، أي أن كافة القضايا تمر عبر قناة مجلس الأمن القومي".


كيري في وزارة الخارجية


من خصائص جون كيري، قاعدته السياسية العريضة بحكم خدمته الطويلة في مجلس الشيوخ عن ولاية ماساتشوستس، وخوضه غمار الانتخابات الرئاسية عام 2004، وتراكم رصيده السياسي على ضوء ذلك. وهو يدرك جيدا أن باستطاعته العودة متى يشاء إلى ولايته ودخول الانتخابات لاستعادة منصبه كممثل عنها في مجلس الشيوخ، فضلا عن الكلفة السياسية العالية للرئيس أوباما بعد أن قرر معاقبته على خلفية تضاد الآراء بينهما.

ويعي الطرفان، أوباما وكيري، أن أي تصعيد للخلافات بينهما سيعود سلبا على الرئيس الأميركي نظرا إلى حتمية تدخّل مجلس الشيوخ في المسألة وعقد جلسات استماع لزميلهم السابق، ولو تم ذلك، فإن تضاؤل شعبية أوباما بالتزامن مع تعثر برامجه داخل مجلسي الكونغرس يصب في خدمة الطرف الآخر، ويعطي كيري حافزا أفضل ومجال مناورة أكبر في تخطي إملاءات البيت الأبيض استنادا إلى قاعدة دعم لا بأس بها بين زملائه أعضاء الكونغرس بمجلسيه.


تباينات السياسة الخارجية


من الثابت أن الأرضية الفلسفية لتباين الآراء بين فريقي، الخارجية ومجلس الأمن القومي، طبعت السياسة الخارجية في عهد الرئيس أوباما، أسوة بالإدارات السابقة. إذ بذل جون كيري جهودا ثابتة في بداية تسلّمه مهام منصبه لترميم العلاقات بين الولايات المتحدة وروسيا، والبناء عليها كمنصة انطلاق للبحث عن حلول سياسية لمسألة لملف النووي الإيراني والحرب الدائرة في سوريا. واستند كيري إلى العلاقة المتبلورة بينه وبين نظيره الروسي، سيرغي لافروف، واستغلالها للتوصل إلى تفاهمات حول عدد من القضايا بين البلدين. بينما تبادلت سوزان رايس الاتهامات العلنية مع نظيرها الممثل الروسي في الأمم المتحدة على خلفية ذات القضايا.

وفي ما يخص الملف السوري، نقل المقربون من سوزان رايس أنها في اللقاءات الداخلية أيدت إنشاء منطقة حظر للطيران فوق الأجواء السورية، وأعربت عن خشيتها من تسليح القوى المصنفة "ليبرالية" داخل المعارضة السورية. وعليه، فإنها لا تثق إلا في استخدام القوة العسكرية الأميركية لتحقيق الأهداف المرجوة.

سمانثا باور
لا يجوز إغفال الدور المحوري الذي تلعبه سمانثا باور، المندوب الأميركي الدائم في الأمم المتحدة، في التأثير على صياغة القرارات للحلقة الضيقة المحيطة بأوباما، سيما وأن إسهاماتها المنشورة أدت إلى نيلها جائزة "بوليتزر" عام 2003، مما يضفي عنصر "المصالح الإنسانية" في بلورة المصالح الإستراتيجية الأميركية، الأمر الذي تجلى بوضوح في الخطاب السياسي الأميركي خلال "الربيع العربي".

باور لعبت أيضا دورا محوريا في صياغة سياسة الإدارة الأميركية نحو سوريا، ولم يؤثر عليها تغيبها عن حضور جلسة خاصة للأمم المتحدة حول الأسلحة الكيميائية السورية، في شهر أغسطس- آب المنصرم، بسبب غيابها لزيارة عائلية خاصة في أيرلندا، موطنها الأصلي. ودلالة الأمر أن باور معنية بالبعد الأيديولوجي في السياسة على حساب الواقعية السياسية وما تتطلبه من توازنات وتحالفات على الطريق، ويضعها في تعارض مع متطلبات مهمتها الأممية لحشد الدعم لصالح وجهة النظر الأميركية.

في المقابل، بذل كيري جهودا طويلة مع الجانب الروسي بغية التوصل إلى حل سياسي دولي للأزمة السورية، مرتكزا إلى حد كبير على العلاقة الوثيقة التي ترعرعت بينه وبين نظيره الروسي، وإقصاء الخيار العسكري مرحليا على الأقل.

شكلت التغيرات المتسارعة في مصر، أرضية خلاف بين فريقي الخارجية ومجلس الأمن القومي. وقد عمدت الإدارة إلى إجراء مراجعة شاملة لعلاقاتها مع مصر، وتبين أن كلاّ من وزيري الدفاع والخارجية بذلا جهودهما للإبقاء على برامج الدعم القائمة لمصر، بينما أصرت سوزان رايس على تعليق معظم المساعدات العسكرية الأميركية إلى حين تلمس تحقيق الحكومة المصرية تقدما في الوفاء بوعودها لتطبيق خطة الطريق المقترحة.

ووصف أحد المقربين من الإدارة الأميركية حالة الانقسام بشأن مصر بأن "هناك خلافات حقيقية تتمحور حول هوية التوجه بشأن مصر بين سوزان رايس وجون كيري.. ولم نكن لنشهد أي تعليق للمساعدات المقررة لو كان الأمر بيد جون كيري وتشاك هيغل، وزير الدفاع.

كما أن طبيعة تكوين الطاقم الرئاسي لأوباما، الذي يضع مسألة الولاء على رأس الأولويات، ساهمت في تراجع تعدد الآراء داخل الدائرة الضيقة له.

ويشار إلى خروج ثلاثة من أهم صقور الحرب من الولاية الرئاسية الثانية: هيلاري كلينتون وروبرت غيتس وديفيد بيترايوس، مما ضيق هامش تباين وتعدد الآراء. ويسجل لجون كيري أنه ربما كان الشخصية الوحيدة داخل الإدارة التي لديها الحنكة والعزم السياسي لطرح وجهة نظر مغايرة للثلاثي الموالي للرئيس: فاليري جاريت وسوزان رايس وسمانثا باور.

سياسة الإدارة نحو مصر تجلت في إرسال إشارات متناقضة إلى المسؤولين المصريين نتيجة تعدد الآراء وعدم انسجامها في لحظات محددة، أدت إلى حيرة الجانب المصري في كيفية صياغة الرد المناسب على الإجراءات الأميركية الأخيرة. ومنها على سبيل المثال، تخلف الإدارة عن تحديد ما تراه مطلوبا من مصر اتخاذه بغية استعادة المساعدات المعلقة، ولو جزئيا، حسبما أوضحت مصادر مصرية.

مصالح الدول مهما بلغ شأنها ومقامها فهي تأخذ في الاعتبار الأبعاد الإستراتيجية لتحقيق أهدافها بعيدة المدى، وغير المقيدة بفريق سياسي معين في السلطة، مما يضع فريق وزير الخارجية جون كيري في عين العاصفة، فهو يراكم إنجازاته ويبني عليها للفريق المقبل بعد انتهاء ولاية أوباما.

6