مستقبل الفضاء السيبراني مجال صراع بين الدول

بعد ربع قرن على وجودها أضحت الشبكة العنكبوتية وسيلة لأهداف معقدة ومتعددة الأشكال بعد أن أضحت إدارة الشبكة والتحكم فيها أحد رهانات العلاقات الدولية ليصبح أمنها ومراقبتها والتحكم فيها مجال تجاذبات بين قوى دولية ما قد يضر بدورها الذي وجدت من أجله.
الأحد 2015/11/08
مستقبل الفضاء السيبراني مجال صراع بين الدول

سيول - في السابق كانت الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، القوتين الأبرز في العالم وتعقدان القمم من أجل تقليل خطر الحرب النووية. أما اليوم فقد أصبح عقد المؤتمرات يتم بين كل من الولايات المتحدة والصين، والتي تهدف معظمها إلى تقليل مخاطر المواجهة والصراع في الفضاء السيبراني، أو الشبكة العنكبوتية.

ويفيد موقع بروجكت سانديكات بأن المخاطرة أصبحت كبيرة جدا، حيث أن كيفية استجابة العالم لتهديدات الهجمات الإلكترونية سوف تحدّد مدى قدرة الأجيال القادمة على الاستفادة من الحقبة الرقمية، فضلا عن توقّعات حصول صراع، وهناك أيضا خطر يتمثل في مبالغة الحكومات في ردّ الفعل، بحيث يمكن أن تفرض حواجز على المعلومات تقوض من خلالها إمكانيات الشبكة العنكبوتية.

فنحن بالفعل في صراع مستمر في الفضاء المعلوماتي، الصين ليست الدولة الوحيدة المنخرطة، عبر إجراءات حكومية مباشرة أو غير مباشرة، في عمليات إلكترونية كبيرة ضد الهياكل الاقتصادية والسياسية للدول الأخرى. فنحن نمر بزمن التحولات التاريخية التي تكون فيها التكنولوجيا الهجومية أرخص من الدفاعية وأكثر قوة.

من الواضح أن هناك حاجة إلى سن قواعد سير للفضاء المعلوماتي، وربما تكون قمة الفضاء المعلوماتي هي الخطوة الأولى في هذا الاتجاه. ولكن الخطر لا يكمن فقط في المواجهة السياسية بين الدول، فالخوف من فقدان السيطرة داخل الدول يدفع نحو متطلبات جديدة لتوطين البيانات وحواجز أخرى جديدة سوف تقسم الإنترنت في النهاية وقد يتم تجزئتها حسب البلدان.

لا شك أن للكرملين الروسي أسبابه التي فرضها من أجل تخزين كل البيانات التي يتم توليدها داخل البلاد، بالرغم أن ذلك ستكون له انعكاسات باهظة على اقتصاد البلاد، ولكن السياسات التي يتم اتباعها داخل الاتحاد الأوروبي لا تقل إزعاجا عمّا هو في روسيا، حيث أنها تؤدي إلى إقامة حواجز على التدفق الحر للبيانات باسم الدفاع عن خصوصية المواطنين.

الولايات المتحدة تحتاج إلى التأقلم بأنها لم تعُد القوة الإلكترونية العالمية الوحيدة وأنَّ على سلوكها احترام المعايير المقبولة عالميا والتي ينبغي على الجميع الخضوع لها

من الواضح أن بعض الدول الأوروبية، ومن بينها ألمانيا، لديها اعتقاد بأن بيانات المواطنين لن تكون آمنة إلَّا إذا تم تخزينها على الأراضي الأوروبية، أي بعيدا عن أيدي الجواسيس الأميركيين.

ويبدو أن هذه الفلسفة المفرطة في التبسيط دعمت قرار محكمة العدل الأوروبية الأخير بإلغاء اتفاقية سايف هاربور (الميناء الآمن)، والتي تسهّل حرية تدفق المعلومات عبر الأطلنطي، ونتيجة لذلك، شهدت الأطر القانونية لعمليات نقل البيانات اختلالا كاملا.

ومن المؤكد أن ضمان حماية البيانات وسلامتها مسألة حيوية، ولكن لا يرتبط ذلك بصورة قوية بمكان تخزين البيانات.

وتمكن مخترقون أو قراصنة من الصين مؤخرا من اقتحام مكتب شؤون العاملين الأميركي واستولوا على حوالي 22 مليون ملف يحتوي على معلومات حساسة عن الموظفين الفيدراليين.

هذا وتشهد شبكات حكومية وصناعية آمنة في الولايات المتحدة وأوروبا بانتظام العديد من عمليات الاختراق من جانب قراصنة روس وصينيين. كما أن العديد من الدول تقوم بعمليات تنصّت على الكابلات الموجودة تحت الماء والتي تحمل اتصالات العالم. إذن فما هي المشكلة التي يحلّها توطين البيانات؟

لا يكمن حلّ المخاوف التي تتعلق بالخصوصية في توطين البيانات وإنما في تطوير أنظمة الأمن وحسن استخدام أنظمة التشفير. فتخزين البيانات يعني في الحقيقة نقلها باستمرار بين المستخدمين دون النظر إلى الحدود، فالأمن في العالم الرقمي يعتمد على التكنولوجيا وليس على الجغرافيا.

حواجز تهدد إمكانات الشبكة العنكبوتية

وفي ظل التطور السريع الذي تشهده سلاسل القيمة العالمية يصبِح الاقتصاد أكثر اعتمادا على التدفق الحر للبيانات عبر الحدود السياسية. ومع ظهور التكنولوجيا العالمية الجديدة مثل “البلوك تشين”، وهي قواعد بيانات متنامية باستمرار للتبادل التجاري تستخدم على سبيل المثال لتعزيز العملات الافتراضية، تصبح فكرة توطين البيانات أمرا خاطئا.

وأصدرت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية مؤخرا تقريرا يسلط الضوء على كيفية دفع الابتكارات المدفوعة بالبيانات لاقتصادات المستقبل بصورة متزايدة، وتشدد بحزم على “الحاجة إلى ترويج الانفتاح في مستوى البيانات العالمية المتعلقة بالنظام البيئي، ومن ثمة التدفق الحر للبيانات عبر الأمم والقطاعات والمنظمات”. وتعتبر هذه المبادئ مقدسة في الشراكة عبر المحيط الهادي التي تم توقيعها مؤخرا، والتي سوف تسيّر التجارة والاستثمار بين الاثنتي عشرة دولة المطلة على المحيط الهادي، بمن فيها الولايات المتحدة. وينبغي على باقي دول العالم أن تسيير على هذا النهج.

كما أن هناك أجندة عالمية ضخمة للحوكمة الرقمية، وتشمل وضع معاير رسمية وغير رسمية لسلوك الدول والآليات القانونية المثلى لمواجهة الجرائم الإلكترونية العابرة للحدود، وسن تشريع قومي شفاف من أجل فرض القانون، والإقرار بالحاجة إلى التشفير لحماية سلامة البيانات، لكن لا ينبغي أن تقوّض الجهود المبذولة في مكافحة الإرهاب والتصدي للجرائم الإلكترونية المبادئ التي تقوم عليها الإنترنت.

وتجد الصين نفسها أما خيار ربط اقتصادها باقتصاديات أوروبا وآسيا الوسطى عبر مبادرتها التي تحمل اسم “حزام واحد، طريق واحد”، إلا أن مستقبل الصين الدولي سوف يكون معتمدا على “شبكة واحدة” للإنترنت يجب أن تكون آمنة وفعّالة وحُرة ومفتوحة.

وتواجه أوروبا أيضا بعض الخيارات الهامة، حيث لا يجب أن يؤدي الفهم الأوروبي المشوش للحقائق الرقمية إلى السماح بظهور سياسة حماية رقمية مفرطة ومدمرة. وينبغي على الاتحاد الأوروبي أن يتغلب على الحواجز المؤسسية التي تجعل من تشكيل موقف شعبي للسياسة المعلوماتية الخارجية يبدو وكأنه أمر مستحيل. كما أن الاتحاد يحتاج إلى أخذ نتائج سياسته الخارجية على محمل الجدّ، فعندما تتحدَّث دول الاتحاد الأوروبي عن توطين البيانات، يفعل الآخرون الشيء نفسه.

وأخيرا تحتاج الولايات المتحدة إلى التأقلم وعليها أن تقبل أنها لم تعُد القوة الإلكترونية العالمية الوحيدة، وأنَّ على سلوكها احترام المعايير المقبولة عالميا والتي ينبغي على الجميع الخضوع لها.

لقد أصبحت الإنترنت بالفعل أهم البنى التحتية في العالم، ولكن هذه هي البداية فحسب وسرعان ما ستصبح البنية التحتية لكل البنى التحتية الأخرى، ولن يكون هناك مجال أمام السياسات الناتجة عن الاضطراب والفوضى والمواجهة في هذا العالم الجديد.

18