مستقبل الفن بأيد أمينة لكنها ليست أيدي البشر

الجميع يعلم أن الروبوتات بدأت تسرق فرص العمل من البشر، بل وأكثر من ذلك، وجدناها تقوم بأعمال إبداعية، تعد التقارير الصحافية وتقدم البرامج التلفزيونية.
الخميس 2019/06/13
في عالم "آي دا" لا مكان لأصحاب القلوب الضعيفة والرومانسيين

قديما كنا نرسم الزمن تقريبيا في حصة التاريخ كسهم متجه إلى الأمام، ووسطه نحدد بعض التواريخ. هكذا هو الزمن وهكذا هي التجربة البشرية داخله، في اتجاه ضروري دائم نحو الأمام. ونحن نعيش داخل السهم الذي لا يتوقف، ننتج إبداعنا الإنساني من فنون مختلفة. وأي منتج إبداعي تأصيلي أو إحيائي يحاول لوي عنق سهم الزمن يتفتت. ومن هنا كانت لكل فترة فنونها وإبداعاتها، إبداعات مربوطة بشكل وثيق بالزمن البشري، لكن اليوم بدأت الروبوتات في تعويض الإنسان، هل يمكننا الحديث عن زمن الروبوتات وكيف سيكون شكله خاصة مع اقتحامها لمجالات الفنون بجدارة؟

 “آي دا” تذكروا هذا الاسم جيدا. نقاد الفن التشكيلي يتوقعون له مستقبلا باهرا، ووصفوه بأنه “واحد من أبرز الفنانين في العصر الحديث”.

“آي دا” هو اكتشاف جامع الأعمال الفنية البريطاني أيدن ميلر، بل يمكن أن نقول إنه من خلقه. فالقادم الجديد إلى عالم الفن هو روبوت على صورة بشر، يستطيع إبداع أعمال فنية اعتمادا على تقنيات الذكاء الاصطناعي.

آي دا الفنان

قدم ميلر الفنان الجديد، الذي اخترعه في مدينة أكسفورد البريطانية، للصحافيين والنقاد في مؤتمر صحافي قائلا إن “الروبوت ‘أي دا‘ ينجز أعماله اعتمادا على المعادلات الخوارزمية الخاصة بتقنيات الذكاء الاصطناعي، وهو مبدع للغاية”، مؤكدا أنه “ليس مجرد طابعة باهظة الثمن، لأننا لا نستطيع تخمين الأعمال الفنية التي سوف يقوم بإبداعها”.

الجميع بات يعلم أن الروبوتات، المجهزة بالذكاء الاصطناعي، بدأت تسرق فرص العمل من البشر، ولم يعد تهديدها يقتصر على الأعمال اليدوية، التي يمكن برمجتها بسهولة نسبية، بل وجدناها تقوم بأعمال إبداعية، تعد التقارير الصحافية وتقدم البرامج التلفزيونية.

“آي دا” خطا خطوة أكبر، فهو يستطيع عن طريق كاميرات مجهز بها أن يرى البيئة المحيطة به ويحللها ثم يرسمها، مستخدما ذراعا آلية وأقلاما ملونة. ويطمح مخترعه إلى تعليمه استخدام الفرشاة قريبا.

يؤكد ميلر أن “آي دا” يعمل “وفق تقنيات متطورة للغاية، وهو قادر على الإبداع، فهو لا يكرر نفس اللوحة الفنية مرتين”.

وأعرب عن أمله في أن يستطيع الروبوت يوما ما التواصل مع المحيطين به، وربما يصف بنفسه الأعمال الفنية التي يبتكرها.

علاقة البشر بالذكاء الاصطناعي ليست حديثة، وإن كان التعبير استخدم لأول مرة من قبل عالم الكمبيوتر جون مكارثي، الذي عرفه بأنه “علم وهندسة صنع الآلات الذكية”.

ورد هذا التعريف في الأطروحة المقدمة لمؤتمر دارتموث عام 1956، وهو يمثل موقف معظم الباحثين في مجال الذكاء الاصطناعي.

ويقول ميلر، وهو مدير معرض للفنون، إنه شرع في تنفيذ الروبوت “أي دا” اعتبارا من عام 2017، وإنه نجح في تنفيذ هذا المشروع بالتعاون مع شركة “إنجينيرد آرتس” البريطانية لصناعة الروبوتات وباحثين من جامعتي ليدز وأوكسفورد.

التاريخ البشري مليء بمحاولات تتأرجح بين الأسطورة والواقع لصنع الذكاء الاصطناعي، الجهد الذي تتبعته باميلا مكوردك في كتابها “آلات تفكر”، زاعمة أنَ أصول هذه الرغبة هيللينية، وأطلقت عليها “الرغبة قي تشكيل الآلهة”.

مستقبل الفن

اليوم تثار أسئلة عديدة حول الذكاء الاصطناعي مثل: هل هناك حدود لذكاء الآلات؟ هل هناك فرق جوهري بين الذكاء البشري والذكاء الاصطناعي؟ وهل يمكن أن يكون للآلة عقل ووعي؟

ويعتقد الخبراء أن العالم سيشهد قريبا استنساخ الدماغ الإنساني، من خلال المعدات والبرمجيات، وأن هذا سيتم بشكل مطابق للأصل تماما.

كنا، معشر الفنانين والإعلاميين والمبدعين، نظن أن المهن التي نمارسها محصنة، لن تستطيع الروبوتات اقتحامها، وأن الذكاء الاصطناعي لن يحيلنا على التقاعد. كنت على وشك أن أرتكب حماقة، أتهيأ للعودة إلى الرسم بعد انقطاع ثلاثين عاما. اتخذت أولى خطواتي، ليظهر “آي دا” فجأة.

تسلحت بالحكمة، وركنت الأمر جانبا. قررت أن أستمتع بإنتاج جيل جديد من الفنانين الروبوت.

أكثرنا مازال يشكك، ويرى في الأمر مجرد مزحة لن تكون لعمل فني مهما بلغت درجة إتقانه قيمة، هكذا يرددون، متزرعين بحجة المشاعر.

هؤلاء سيؤخذون على غفلة من أمرهم، التاريخ لم يرحم أمثالهم. مصباح أديسون حل مكان لهيب الشمعة، وانتصر عليه غير آبه بالمشاعر. والسيارة أزاحت الحصان جانبا، غير عابئة هي الأخرى بعشاق الحصان ورومانسيتهم.

التاريخ لا يكتبه الرومانسيون، بل يكتبه الأقوياء الذين رموا الرومانسية خلف ظهورهم.

علينا اليوم أن نعيد تقييم الوضع، “آي دا” فتح بابا لن يغلق، من يقاومه سيكون أول المطرودين والمنقرضين.

فأي مستقبل للفن إذا بعد الذكاء الاصطناعي؟

مستقبل الفن بأياد أمينة، ولكنه ليس بأيدي البشر.

14