مستقبل المسرح يرتبط بمستقبل المجتمع

يعد المسرح أكثر الفنون تأثيرا نظرا إلى العلاقة المباشرة التي ينشئها مع جمهوره في الزمان والمكان، ما يجعله قادرا على إثارة المتلقي جماليا وفكريا. لكن المسرح شأن الفنون الأخرى بات يعاني من بيروقراطية المؤسسة الرسمية ما يدعو إلى تجديد آليات العمل فيه. في هذا الحوار تلتقي “العرب” المسرحي المصري محمود أبودومة لنتعرف على مسيرة هذا المبدع الذي لا يزال يعطي للمسرح والإبداع.
الأربعاء 2017/10/11
أنا رجل صعيدي جاء من قرية تجاهلتها الخرائط

يعد محمود أبودومة أبرز رواد المسرح المستقل في مصر والعالم العربي، درس المسرح وترجمه وكتب له وأخرج العديد من الأعمال وساهم في تشكيل جيل المسرحيين الشباب، يؤمن بدور المسرح وتأثيره الجماهيري، وأسس مهرجانين للمسرح؛ الأول كان تابعا لمكتبة الإسكندرية “الملتقى الإبداعي للفرق المسرحية المستقلة.. أوروبا – البحر المتوسط”، والثاني مهرجان “الشوارع الخلفية” الذي يقيمه تياترو الإسكندرية، هذا فضلا عن إصداره عددا من المؤلفات النقدية منها “على خشبة المسرح” و”تحولات المشهد المسرحي” وأعمال قصصية وروائية قام بمسرحة بعضها، كذا تبنيه عددا من المبادرات الثقافية في صعيد مصر وفي الثغر، كان الهدف منها التدريب على الكتابة الإبداعية وفنون الأداء المسرحي.

ضد المؤسسة الرسمية

منذ تخرجه من قسم المسرح بكلية الآداب – جامعة الإسكندرية طاف المسرحي محمود بين جامعات ومراكز تدريب مختلفة بين القاهرة وإنكلترا والولايات المتحدة الأميركية وألمانيا وقد شعر دائما خلال فترة دراسته أنه يريد أن يصنع من نفسه رجل مسرح، لذا لم يحصر نفسه في الحدود الضيقة للتخصص المهني فكتب العديد من المسرحيات وأخرج وأعد العديد من العروض المسرحية وشارك بالتمثيل في عدد قليل من العروض المسرحية والأفلام السينمائية، ولكنه لم يشأ تطوير هذا الجانب فقد كان هناك دائما هاجس يطارده يتمثل في توظيف معارفه وموهبته في الحدود الواسعة للمجتمع حيث يلتقي فن المسرح بمفهوم التنمية الوجدانية والتغيير الاجتماعي والفكري وقد واكب هذا الشعور فقدان المسرح الحكومي (وزارة الثقافة) لبوصلة المجتمع وتمزق الرؤية السياسية لدى الدولة تجاه مفهوم الثقافة، وارتباط مؤسسات الدولة بالبيروقراطية وما يصاحبها من ثقل حركة فشعرت بضرورة الاستقلال عن المؤسسات واتخاذ اتجاه مناهض لها.

يقول ضيفنا “قمت بتأسيس أول فرقة مستقلة في مدينة الإسكندرية عامي 1988 – 1989 مع مجموعة من زملائي الذين يشاركونني الرؤية الفكرية، وظللنا سنوات قليلة نعمل في حديقة أتيليه الإسكندرية دون اسم حتى قمنا بعد ذلك عام 1991 بتسمية الفرقة “جماعة المسرح البديل” والتي ما زالت حتى يومنا هذا تعمل تحت ذات الاسم في ظروف ليست سهلة، وكنا ننتج عروضنا بأموالنا، فلم تكن هناك مؤسسة أو جهة قادرة على استيعاب أفكارنا الخاصة بمفهوم الاستقلال بمعناه الواسع والارتباط بالمفهوم العالمي للكلمة، هذا وقد انحصرت أهدافنا في الاهتمام بالتكوين والتدريب في مجال المسرح باستخدام وسائل غير تقليدية، وتحويل فن المسرح من فن منعزل يقدم للصفوة إلى ثقافة حياتية ومدرسة للشعب وبالتالي التركيز على دوره التنموي والتعليمي وعدم الاكتفاء بجانبه الجمالي والروحاني. إضافة إلى تقديم العروض المسرحية العالمية وتحويل إنتاجها الضخم إلى الإنتاج الفقير من الناحية المادية الغني من الناحية الفنية مع الحفاظ على هويتها وهدفها”.

المسرح يلتقي بمفهوم التنمية الوجدانية والتغيير الاجتماعي والفكري ولكن المسرح الحكومي فقد بوصلة المجتمع

ويضيف أبودومة “في سبيل تحقيق هذه الأهداف قمت بتأسيس ‘الملتقى الإبداعي للفرق المسرحية المستقلة‘ أوروبا – البحر المتوسط في مكتبة الإسكندرية، وقد حققت خلال وجودي في المكتبة ثماني دورات اشتملت على عرض عدد كبير من العروض المسرحية والورش التدريبية وموائد الحوار والمسرحيات المترجمة من المسرح الألماني والسويدي والفرنسي والإيطالي والهولندي إلى اللغة العربية، وتقديم جيل جديد من الكتاب الأوروبيين الجدد وبالتالي محاربة فكرة الاجترار المعرفي في المسرح”.

ويشير أبودومة إلى أنه بعد تركه للمكتبة ولموقعه في الجامعة لم يكن أمامه سوى الاحتماء بفكرة الاستقلال كونه فنانا مستقلا، فقدم استقالته من الجامعة بعد شهور من ترك المكتبة، وقام بافتتاح أول مقهى ثقافي في مصر كلها، يقول “كما خرجت الحركات الفنية في أوروبا من المقاهي، حيث خرجت الموجة الجديدة في السينما الفرنسية من مقاهي ‘مونمارتر‘ فما زلت أعمل بنفس الأمل، فقمت بصياغة برنامج للسينما والمسرح والموسيقى والأدب والفنون التشكيلية داخل جدران المقهى، وبعد عدة شهور قمت بتأسيس ‘مهرجان الشوارع الخلفية‘ من داخل المقهى الثقافي وهو مهرجان يتأسس وجوده على احتفاء الشارع به ومقابلة الجمهور في الشارع بل الذهاب إلى الجمهور، وتقديم عروض تتراوح بين السيرك وعروض الشارع والكوميديا المرتجلة وعروض الأطفال. كما تعاونا معهم في مجال التدريب والتعليم غير الرسمي وما زال مهرجان الشوارع الخلفية يصارع من أجل أن يستمر وجوده وسوف يشهد عام 2018 دورته الخامسة”.

المسرح والتحرر

يرى محمود أبودومة أن مستقبل المسرح يرتبط بمستقبل المجتمع ذاته فإذا تم احتجاز أحلام المجتمع فسوف يتم احتجاز المسرح، وبالتالي يتم تأميم أحلام الناس ليس لأنه مجرد عاكس لقيم المجتمع وأخلاقياته، ولكن لأنه منذ نشأته هو مكان لتحرر الروح الإنسانية من القيود الاجتماعية والسياسية، وهذا يعني أن المسرح يحتاج إلى وسط ليبرالي كي يحيا ويظل أيا كانت أيديولوجية الدولة، فالمسرح البولندي مثلا كان في ألقه الحقيقي إبان القبضة الحديدية للدولة في المرحلة الاشتراكية لأن الدولة أرادت له أن يظل حرا حتى يمكن استخدامه كوسيلة للتنفيس عن الضغوط الاجتماعية.

المسرح هو آخر وسيط فني سيحظى بحريته لأنه يمثل لقاء مباشرا بين الأنا والآخر في لحظة نادرة لا تتكرر

ويؤكد أنه لا “توجد أزمة للمسرح في مصر ولكن يوجد مجتمع مأزوم وفي مأزق حقيقي، فمصر بها الكثير من الأبنية المسرحية في كل المحافظات وتوجد في وزارة الثقافة ميزانيات للإنتاج المسرحي في مؤسساتها، فهيئة المسرح بها مسارح نوعية متخصصة وجيوش من الممثلين والإداريين والهياكل الإدارية المختلفة وكذلك الثقافة الجماهيرية بها مسارح وميزانيات في كل المحافظات والجامعات والأكاديميات تعلم المسرح وتدرسه، وهناك الكثير من الفرق المسرحية المستقلة والعديد من المهرجانات المحلية والإقليمية والدولية، هذا فضلا عن السلاسل التي تنشر المسرحيات المحلية والمترجمة فأين الأزمة إذن؟ الأزمة في المجتمع ذاته وهي أزمة اجتماعية وروحية خانقة جراء المعاناة من أزمة الهوية، فالهوية المصرية حتى لو حسمت على المستوى القانوني والدستوري إلا أنها لم تحسم على المستوى الشعبي وما زالت تؤرق الكثير من القوى الصاعدة وخاصة الشباب، ومعنى هذا أن المجتمع يحتاج إلى وضع عقد اجتماعي جديد والمسرح بما يملكه من خاصية اللقاء الحي هو شكل من أشكال التعبير عن تحرير أحلام الإنسان وتدرك الدولة هذا، لذا فالمسرح هو آخر وسيط فني سيحظى بحريته لأنه يمثل لقاء مباشرا بين الآنا والأخر في لحظة نادرة وغير قابلة للتكرار”.

ويشدد أبودومة على أن المسرح في جوهره هو المسرح الذي يقوم على تحرير التعبير، وبالتالي فتجربته هي تجربة خاصة جدا حيث لا مسايرة فيها للثقافة الرسمية السائدة ولا تبعية سياسية أو اقتصادية لها. المسرح المستقل يمثل إيمانا غير محدود بالتعددية، لا يساوم على وجوده ولا يتنازل عن حريته ولا يعترف بالحدود الضيقة، هو أيضا في مواجهة دائمة مع كل ما يحد من حريته أو يحتجز أحلامه في التعبير.

وحول ارتباطه بصعيد مصر في كتاباته وفي أكثر من مبادرة ثقافية يقول “أنا رجل صعيدي جاء من قرية تجاهلتها الخرائط، قرية في صعيد مصر الأوسط في محافظة سوهاج غرب النيل وهذه القرية هي ‘أم دومة‘، ومنذ خروجي من الصعيد في الطفولة وأنا أحمل ذكريات التكوين وأشعر أن الصعيد هو كتاب مغلق لم يقرأه أحد بشكل جيد”.

15