مستقبل تيار المستقبل

الأحد 2016/03/06

منذ عودة الشيخ سعد الحريري إلى بيروت وأداؤه أكثر من جيد، خصوصا على صعيد تواصله مع جمهوره ومحازبيه وبعض خصومه أو منافسيه السنّة. لكن المشكلة ليست هنا أو لم تعد في هذا المكان، لقد انتقلت إلى زوايا مغايرة، العلاقة مع الحلفاء، إضافة إلى التكتيك السياسي الذي يعاني أزمة واضحة.

على صعيد العلاقة مع الحلفاء، يقول الشيخ سعد بأن “المستقبل والقوّات واحد”، وفي المقابل يؤكد د. سمير جعجع بأن العلاقة مع المستقبل استراتيجية كما أن التحالف المبدئي فوق الاختلاف في وجهات النظر، لكن من يدخل إلى معراب أو إلى بيت الوسط سيلاحظ امتلاء القلوب، والمشكلة أن أصحاب الشأن ساروا في مبادرات مضادة، لذلك يريد بيت الوسط سحب ترشيح ميشال عون، ومعراب تريد سحب سليمان فرنجية، وهذه دوّامة غرقنا فيها بسهولة ونجد اليوم مشقة فوق مشقة للخروج منها.

السعداء بفتور العلاقة بين معراب وبيت الوسط هم محازبون صغار أو وجوه خفيفة، فالقضيّة أهمّ من هذه الزعامة أو تلك وهذا الحزب أو ذاك، القضية هي لبنان وقوى 14 آذار، والتنازل في هذا الإطار واجب على الجميع، وإنني أتمنى من الرياض تولّي مبادرة تصفية الأجواء وتدوير الزوايا بين الطرفين، لأنها الوحيدة المؤهلة لهذا الدور بحكم علاقتها المتينة بمعراب وببيت الوسط، مع العلم بأن مواضيع التباين واضحة وجوهرية، صناعة القرار الاستراتيجي في قوى 14 آذار والانتخابات النيابية والملفّ الرئاسي، وليس من الحكمة ترك ملفات بهذه السخونة لعامل الوقت الذي سيشعلها أكثر بدلا من معالجتها.

على صعيد الأداء السياسي العام، لا أجد أن تيار المستقبل استطاع مواكبة القرارات السعودية والخليجية والعربية بخصوص حزب الله بطريقة صحيحة أو ناجعة، والسبب الأساسي لذلك هو أن شبح 7 أيار ما زال جاثما على مخيلة أصدقائنا المستقبليين، ومن هرب من هذا الهاجس ابتلعه الخوف من اندلاع حرب أهلية، وفي رأيي أننا أمام تقديرات افتقدت الدقة لننته إلى تضييق مساحة الحركة السياسية أمام أنفسنا.

الحزب الإلهي ليس من مصلحته في هذه اللحظة بالذات القيام بـ7 أيار جديدة أو إشعال حرب أهلية لغير سبب، مع احتساب اللاجئين الفلسطينيين والسوريين، نجد أن عدد سنّة لبنان قد تضاعف مرتين، وهو ما لم يكن حاضرا في 7 أيار 2008، وهذا العدد الضخم معبأ بأعلى درجات الاحتقان من جرائم الحزب الإلهي وتصرّفاته، ولا ينقصه إلا عود كبريت لتسقط الخطوط الحمر بينه وبين ما يسمّى بحزب الله وجمهوره، وهؤلاء السنّة بالتأكيد ليسوا مسلحين أو مدربين كميليشيات إيران، لكنهم يستطيعون بأبسط الوسائل والإمكانات تشكيل إزعاج حقيقي وموجع للحزب ولبيئته الحاضنة.

على صعيد آخر، إن أعداد قتلى الحزب الإلهي وجرحاه جراء تدخله السوري مزعجة له وزيادتها ولو بفرد واحد داخل لبنان مشروع انتحار، لأن سقوط الأول لا يعني سقوط الأخير، وليس معقولا أن يكون الحزب المنغمس في حرب خارجية مستعد لفتح جبهة داخلية في هذا التوقيت.

وهناك زاوية أخرى لا بدّ من أخذها في الحسبان، إن القرار السعودي بوقف الهبة للجيش اللبناني هو في حقيقته رسالة تحفيزية لحلفائها اللبنانيين وللدولة اللبنانية كي يحرّروا أنفسهم من نفوذ الحزب، تزامن ذلك مع عقوبات وضوابط أميركية على المصارف اللبنانية لتجفيف الحزب الإلهي ماليا، وفوق ذلك اتخذ مجلس التعاون الخليجي ومجلس وزراء الداخلية العرب قرارا بتصنيف ما يسمّى بحزب الله منظمة إرهابية استنادا إلى أدلة دامغة، أي أن الصورة أمامنا هي حصار عربي ودولي يفرض تدريجيا على الحزب الإلهي، وتورط الحزب في أيّ منزلق داخلي سيدينه ويضعفه ولن يقوّيه، وبهذه الوقائع نقول أيضا: انعقاد مؤتمر تأسيسي في هذا التوقيت سيصبّ حصرا لمصلحة السنّة، فرئاسة الحكومة لم تعرف الفراغ، كما أنهم لم يحملوا سلاحا ولم يتطفلوا على شؤون غيرهم كما فعل الحزب الإلهي وحلفاؤه، ولنا في الحرب الأهلية ومؤتمر الطائف أسوة حسنة، من حمل السّلاح أو غطّى الفراغ تعرّض للإقصاء.

مشاعر تيار المستقبل هي خوف على جمهورهم ولبنان من حرب أهلية أو 7 أيار محمودة، لكن هناك فرق واضح بين الحرص وبين الاستسلام، وهناك فرق ناصع بين الضغط والمواجهة وبين إشعال الفتنة.

منذ عاد الرئيس سعد الحريري وهو يرفع شعار انتخابات الرئاسة، ولن يتمكن من خوض هذه المعركة من دون حليفه الأساس، حزب القوات اللبنانية، وتصريحات الشيخ سعد ليست كافية البتة لمعالجة الفراغ.

يتكئ الحزب الإلهي على مرتكزات أربعة لتغطيته ولحماية الفراغ، الأول هو الحوار الثنائي مع تيار المستقبل، والثاني يتمثل في مبادرات رئاسية رشحت حلفاءه، والثالث يتجسد في حكومة الرئيس تمام سلام، والرابع هو صمت الشارع عن ممارسات الحزب الإلهي ضد الدولة اللبنانية.

إنني أتمنى ذات يوم حضور جلسات الحوار بين تيار المستقبل والحزب الإلهي بسبب العجز عن تخيّل ما يمكن أن يقال فيها، ولقد فكرت مرارا في سبب انعقاد هذه اللقاءات الصورية، ولم أجد سببا مقنعا غير جودة “الشاي” و”القهوة” في دارة الرئيس نبيه بري وشخصيته الجاذبة، وحسب معلوماتي المتواضعة قدّم هذا الحوار معلومات مغلوطة لتيار المستقبل عن مسار قضية الإرهابي ميشال سماحة لتتفاجأ قوى 14 آذار بإطلاق سراحه عكس المتوقع. لذلك، هذا الحوار لا بد من إيقافه خصوصا مع استمرار جلسات الحوار الوطني برئاسة نبيه بري نيابة عن رئيس الجمهورية الغائب أو المغيّب بالفراغ، فتيار المستقبل مع حلفائه أقوى منه منفردا.

بعد المستجدّات الخليجية والعربية والدولية تحت عنوان محاصرة حزب الله، يصبح الاستمرار في المبادرتين الرئاسيتين ضربا من العبث، فهذا الحصار سببه اعتداء الحزب على مفاصل الدولة وسيطرة حلفائه على بعض الوزارات، فهل يعقل بعد ذلك أن نسلّمهم قصر بعبدا؟ والأدهى أن مرشّحي الرئاسة لا يحضرون جلسات الانتخاب، وحزب الله لم يبذل أيّ مبادرة تسهّل انتخاب أحد حلفائه، وبالتالي فإن رغبته في استمرار الفراغ ليست محل جدل، وهذا الحزب متورط في ملفات إجرام وفساد وإرهاب عابرة للقارات، وسيطرته على ما تبقى من الدولة سيحوّل لبنان كليا إلى دولة مارقة ككوريا الشمالية.

أصدقاؤنا المسيحيون يقولون إن الأغلبية المسيحية رشّحت للرئاسة ميشال عون، وبالتالي لا بد من انتخابه أسوة بما يجري مع رئاسة مجلس النواب ورئاسة الحكومة، وهذه الصورة تبدو صحيحة للوهلة الأولى، لكن الواقع في مكان آخر، الأغلبية السنية منذ إسقاط حكومة الرئيس سعد الحريري عاجزة عن إيصال مرشّحها أو زعيمها إلى السراي الحكومي وبعض ذلك حصل بتواطؤ المرشح “المسيحي” ميشال عون صاحب تصريح “ون واي تيكيت” الشهير، وشاهدنا حكومة يرأسها نجيب ميقاتي بقرار شيعي استند على القمصان السود وتغطية عون، وبعد الحكومة الميقاتية لجأ السنّة إلى التوافق وجاؤوا مكرهين بتمّام سلام، والسؤال هنا إلى عون: لماذا لا يقبل على نفسه ما رضيه لغيره؟

هناك صورة تنتشر بأن السنّة يهضمون الحقوق المسيحية وهذا غير صحيح، فتيار المستقبل لم يضع فيتو على وصول أيّ قطب من الأقطاب المسيحية الأربعة، في حين أن الحزب الإلهي وضع الفيتو على خصومه المسيحيين ويمنع انتخاب حلفائه، ويريد إلغاء الدروز بالقانون النسبي كما فعل بالسنّة مع رئاسة الحكومة، لتكون الجملة الصحيحة: ما يسمى بحزب الله يهضم الدولة وشعبها.

سليمان فرنجية في هذه اللحظة أمام مأزق التوقيت، لقد تكشّفت أضرار ترشيحه تماما بعد هذه الأشهر، وأهمها شرخ ملاحظ في قوى 14 آذار وعجز هذا الترشيح عن معالجة الفراغ، فإذا كان ترشيح سياسي من قوى 14 آذار أو من قوى 8 آذار لم يعالج الفراغ، فالأولى إذن أن نعود إلى طرح مرشّح من ثورة الأرز. وما يثير الدهشة أن فرنجية وعون بعد ترشيحهما لم يتغيرا.

ما أقترحه أن يعلن د. سمير جعجع والشيخ سعد الحريري مهلة زمنية لتأييد مرشّحيهما تنتهي بالجلسة المقبلة في 23 آذار. نظريا، إن حزب الله وحلفاءه إضافة الى القوات اللبنانية يستطيعون إيصال عون إلى قصر بعبدا من دون الحاجة إلى تيار المستقبل الذي لم يضع فيتو على وصول عون، وكذلك الأمر، يستطيع تيار المستقبل إيصال فرنجية إلى قصر بعبدا، لذلك لا مبرر لعدم انعقاد الجلسة، و”غنج” حزب الله وأنانية عون يجب أن تكون لهما نهاية. وما لم تنتج جلسة 23 مارس رئيسا يطرح المرشّح الثالث. ولا يضحكني في هذا السياق إلا مطالبة الحزب الالهي بضمانات، معه السلاح ويطالب الآخرين بضمانات تماما كإسرائيل التي تمتلك قنبلة نووية وتطلب من الفلسطينيين العزّل ضمانات!

حكومة تمّام سلام تحمل على عاتقها كل كوارث لبنان، من أزمة النفايات إلى تحكم الحزب الإلهي بالدولة، ولا يستفيد أحد من استمرارها إلا حزب الله بتمرير أجنداته، لا بد من تلويح العصا بداية بالاعتكاف ثم بالاستقالة لسحب شرعية وجود حزب الله في الدولة التي يعطّلها.

نحن مقبلون هذه الأيام على ذكرى ثورة الأرز في 14 آذار، وقوة هذه الثورة تكمن في شارعها، الشارع رافعة تفاوضية أصيلة وممتازة، وبعودة 14 آذار إلى ساحة الشهداء ستخرج القوى الاستقلالية من شعور الاستضعاف إلى الثقة بالنفس، يجب أن يسمع الحزب الإلهي الشعب اللبناني هاتفا ضد السّلاح غير الشرعي، ويجب أن يعتصم اللبنانيون من أجل إنهاء الفراغ وتحرير الدولة من إيران.

مرة أخرى، هناك فرق بين الحرص وبين الاستسلام، وهناك فرق بين الضغط والمواجهة وبين إشعال الفتنة، والركون إلى الاستسلام – في هذه اللحظة الذهبية النادرة – بمثابة مشاركة الحزب الإلهي في القضاء على لبنان والدولة، فليجرّب تيار المستقبل التحرك الجدّي، فأن يقولوا “حاولوا وفشل” خير من أن يتساءلوا “أين تيار المستقبل”، ولله الأمر من قبل ومن بعد.

صحافي سعودي

6