مستقبل سوريا في ظل الصراع

الجمعة 2013/11/15

تكثفت اللقاءات والمشاورات العالمية والإقليمية في الأسابيع الأخيرة وفق الاتفاق الروسي الأميركي، بقصد تهيئة الأجواء من أجل عقد اتفاق جنيف، ولكن عقدَة الأسد لم تحل، ودون إيجاد توافق عليها، بما فيه موافقة المعارضة على بقائه بشروطٍ، لن يكون هناك اتفاق. وفي حال تشبث الطرفان بشرطهما المسبق، فلن تكون لجنيف 2 فائدة.

خشية تلك الدول من ذلك، دفعت لتأجيله فترة قصيرة؛ تأجيله القصير هذا يدلّ وبوضوح شديد أن جملة المخاطر التي أصبحت تشكّلها أحداث سوريا، ستفيض عنها وتدخل فيها دول إقليمية أخرى. وربما يكون الأمر معلَّقاً بسبب الاتفاق السابق على إنهاء هذا الملف. تحقيق ذلك، يقتضي جنيف، ولكن الأخير لا يمكن عقده دون شروط مسبقة تحدث انفراجا عاماً وتضع تصوراً واضحاً للعقدة السابقة. هذه الشروط يفترضها الواقع ذاته؛ ولكن حلف النظام من روس وإيرانيين يجدون أنفسهم بموقف متقدم، فقواته تتقدم، ولو كان هناك ثقل لحزب الله ولإيران، بينما قوات المعارضة تتقهقر، فكيف يمكن لتلك المعارضة أن تفرض شروطاً؟

هناك تعقيد إضافي يقول: لا يمكن عقد جنيف ما لم تتلق قوات النظام هزيمة في بعض الجبهات أقلها جبهة حلب مثلاً.

ولكن ورغم ذلك، اللقاءات تستمر، والنظام يقول بجنيف ويقاتل على الأرض، ويطلب من قدري جميل الممانع تاريخياً لأميركا أن يلتقي مع سفير الامبريالية الأميركية السيد فورد، والقيام بما يشبه الانشقاق وتأهيل نفسه لجنيف.هيئة التنسيق، المستعدة أبداً للتفاوض لا تتأخر عن ذلك، بل ويتقدم الطرف الكردي فيها إلى إعلان إدارة مدنية انتقالية، يقرأ بأنّه لتثقيل أهميتها، أي أن الهيئة وأكرادها جزء من وفد التفاوض. المعارضة هذه مرنة جداً، إلى درجة قبول أية تسويات تُحدث انتقالا يُبقى للأسد دوراً، وإن تخلى عن بعض وظائفه وأشكال سيطرته، وهي لن تخسر شيئاً بذلك، لأنها بالأصل لا تمثل شيئاً في جبهات القتال ولا في جمهور الثورة بالمعنى الدقيق للكلمة، واعتمادها الكلي على الروس وعلى الجمهور الشاعر بالقرف بسبب مآلات سوريا من عامين. وربما حتى على شعور الخذلان الذي شعره الائتلاف الوطني، وبدئه حديثاً ليّناً عن الحل السياسي، مع ارتباك لكيفية التعاطي مع موضوع الأسد؛ حيث أن قبوله بالحل سيؤدي لتكفيره من قبل الكتائب المسلحة ولو رفض الحل رفضاً قطعياً سَيُدَان من قبل أميركا وداعميه. وبين هذا وذاك، فإنّ جنيف يبقى سيفاً، يتحسسون نصله على رقابهم. ولكن ما السبيل إلى ذلك؟

إيران والسعودية المؤثرتان في ما يجري في سوريا ترفضان جنيف. فهو بالنسبة للسعودية، سيعيد إنتاج النظام، وبذلك لن يتغير شيء في المنطقة، سيما وأن السعودية تراقب دفء العلاقات الأميركية- الإيرانية، وبالتالي ستعمل (أطراف) في السعودية على تخريب جنيف. وإيران المرفوضة من قبل المعارضة، لا توافق على جنيف واحد، ولن تذهب إلى جنيف2 ما لم يتم ضمان مصالحها التاريخية والراهنة في سوريا. وبالتالي اللعب الدولي في سوريا والدفع لعقد جنيف، يقابَل في الإقليم بإعلان واضح على رفض جنيف، ودعم النظام من قبل إيران لشن حملة شرسة في كامل أنحاء سوريا، ومقابل ذلك تحاول السعودية الوقوف إلى جانب قوات المعارضة، لوقف تلك الحملة، ولكن ضمن حدود دنيا، لا تغضب أميركا.

الواقع يقول أن النظام ومهما استعاد من مناطق خرجت عن سلطته لن يكون قادراً على استعادة الكثير منها، وستستعيد المعارضة أجزاء مما فقدته كذلك، ولكنها لن تغير في المعادلة عما كان، وبالتالي لابد من جنيف مجدداً، حيث لا يوجد انتصار لأي طرف في الأفق.

إذن ومجدداً: لماذا يجب عقد جنيف؟

جنيف ضرورية وأكثر من قبل بسبب الاتفاق الدولي، و بسبب شدة الدمار وتنامي قوة الجهادية، وخطر الاستنقاع الذي سيتنقل إلى الدول المجاورة كحروب قومية أو طائفية، وبالتالي افتقاد إمكانية السيطرة على منسوب عدم الاستقرار. وقد يكون لضرب مصالح أميركا وربما البدء بعمليات ضد إسرائيل، وقد يؤدي لتطورات داخلية عنيفة جداً، لا تكون ضمن دائرة المسيطر عليه، كأن تخرج مناطق كاملة ومن جديد من يد السلطة، وتشكل دولتها الجديدة؛ محاولة الاتحاد الديمقراطي الكردي تشكيل إدارة انتقالية، وفكرة الحكومة الجديدة بقيادة أحمد طعمة، كلها مؤشرات على استنقاع ممكن.

الخوف الآن على الثورة، من دور أميركي يتجاوز مفهوم التوافق وتحقيق مرحلة انتقالية وفق جنيف1، ليصل إلى مفهوم ضبط الجيش الحر، والسعودية والائتلاف الوطني، وحشر بقية القوى السياسية، لتذهب إلى جنيف وتضع موافقتها على مرحلة انتقالية، لا تقر بحقوق أولية وأساسية للثورة الشعبية، أو تتجاهل الائتلاف مثلا، وتعقد جنيف بقوى معارضة هامشية، كهيئة التنسيق، وسواها، مع استمرار الضغط على الجيش الحر، لتتم تصفيته تماماً، كما يحدث جزئياً الآن من خلال الحرب الشرسة التي يقوم بها النظام.

هذا يعني أن أميركا وبعد أن دمرت سوريا، تريد إعادة تجديد النظام، بديمقراطية هامشية، تشبه تماماً ديمقراطية العراق أو لبنان. وفي حال حصول السيناريو الأخير، فإن سوريا مقدمة على اقتتال مذهبي وربما قومي، وتدمير إضافي وقتل مجاني كارثي، لأن ذلك سيعني تصفية نهائية لكافة الكتائب العسكرية، ومحاول فرض السلطة من جديد في المناطق التي أصبحت خارج السلطة منذ قرابة عامين.

هذا السيناريو، وفي حال تحققه، وفي السياسة الأمر ممكن، فإن قوى الثورة السياسية والعسكرية، ستكون أمام انكشاف كامل أمام قوات النظام وحلفه الروسي والإيراني، وبالتالي يقع عليها إنهاء كل إستراتيجية المعارضة السابقة، بل وإنهاء تلك المعارضة كلياً، وإعادة صياغة رؤيتها للثورة، كثورة شعبية.

عقد جنيف، لن يمر دون شروط أولية، وما قدمه الائتلاف بشكل أولي سيتم التمسك به، ما دام هناك ضغط كبير من أجل عقده. وربما تُدفع قوى المعارضة وعلى اختلاف أشكالها، لتتوافق على شروط مشتركة، لأنها ستسقط نهائيا أمام الشعب أو عبر التفاوض. فالتفاوض يقوده توافق دولي على تجديد النظام، أو لنقل على مرحلة انتقالية لسوريا، وليس من أجل انتصار الثورة أو المعارضة.


كاتب سوري

8