مستقبل سوريا.. هل من جواب؟

الاثنين 2013/09/23

يبدو أن أياً من العاملين في الشأن السياسي السوري، سواء أكانوا من النظام أم من المعارضة، لا يمتلك رؤية واضحة عما ستؤول إليه الأمور بعد سنة من الآن على أبعد تقدير، فما بين استعادة اللحمة الوطنية والسيادة، وبين بناء الدولة السورية الحديثة، تظل سوريا نهباً لاحتمالات عديدة مختلفة ليس من بينها هذان الخياران اللذان يصر طرفا «النزاع» على تسويقهما، كل لمؤيديه وداعميه.

تشير الحقائق على الأرض والتقارير التي تعدها المنظمات الدولية إلى أن ثلثي سكان سوريا باتوا نازحين أو لاجئين، كما أن ما يقارب المليوني مسكن قد تم تدميرها بشكل كلي أو جزئي، أضف إلى ذلك الكثير من عوامل «العبث الديمغرافي» التي أفرزت خللا واضحا في بنية المجتمع، وسيكون لزاما التفكير بكل هذه التفاصيل قبل طرح إجابة جاهزة صالحة للتسويف والتسويق، ولكنها ليست صالحة للتطبيق على أرض الواقع.

وضعت المعارضة السورية نصب أعينها فكرة إسقاط النظام لا خيارا بل انسجاما مع رغبة الشارع، وقد جعلتها خشيتها من نقمة الشارع تفتقد الجرأة في إيجاد حلول تكون هي قادرة على تنفيذها، لأن التفكير المنطقي يستوجب دراسة كافة العوامل المؤثرة في الشأن الداخلي، وعدم إغفال أي عامل مهما كان صغيراً، فليس مطلوباً من المعارضة أن تقود الحجج والأعذار لفشلها، بل أن تفكر بالحلول فقط، ولعل إصرارها على إسقاط النظام مع افتقادها للأدوات المساعدة على ذلك، واستطرادا عدم درايتها في كيفية تنفيذ عملية إسقاطه، جعلها دائما تدور عند النقطة الأولى، وهي العودة إلى المجتمع الدولي، والتباكي أمامه لعدم قيامه بواجبه في إسقاط النظام، والحقيقة أن المجتمع الدولي ليس من واجبه إسقاط النظام، بل إنه قد يكتفي بالدعم المادي والمعنوي الذي تتيحه قوانينه، ولعل النقل المباشر لجلسة مجلس العموم البريطاني، والتردد الأميركي الذي أعقب مجزرة الكيماوي التي ارتكبتها قوات النظام، كل هذه تضع المعارضة السياسية أمام مسؤولية التفكير باجتراح حلول قابلة للتنفيذ، وربط حلولها بواقعها دون إتاحة المجال لاجتهادات الخيال والخطابات الجوفاء.

بالمقابل يبرز النظام غير قادر على تقديم حل واقعي للأزمة، فحلوله التي لا ينفك إعلامه ومسؤولوه الصغار والكبار يرددونها خالية تماماً من أي تصور واقعي، فهي طوباوية ترتكز بشكل أساسي على إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، والتبشير بمستقبل يعم فيه الهدوء والخير والسلام، وكأننا أمام مشهد سينمائي لا أمام واقع أقل ما يقال عنه إنه كارثي، وتتصاعد لدى النظام كما لدى المعارضة مفردة رفض الآخر وتخوينه، بل وعدم الاعتراف به، وقد سجلت محاكم دمشق، تحديدا، عددا من القضايا التي تتهم شخصيات معارضة بالخيانة العظمى، وصولا إلى تجريمها بجرائم تصل عقوبتها، حسب القانون السوري، إلى الإعدام أو السجن مدى الحياة في أحسن الحالات، وبهذا فلا يمكن لنظام «وطني» أن يتحاور مع معارضة خائنة، كما لا يمكن لمعارضة «وطنية» أن تتحاور مع نظام خائن.

في هذا التجاذب والتناقض تبرز جهة ثالثة متهمة من كلا الطرفين بأنها مرتبطة بالطرف الآخر، وهي الجماعات الراديكالية التي دخلت على خط الثورة، وباتت واقعا لا يمكن إنكاره، وهذه الجهة ليست معنية بحجم الخلاف والاختلاف في رؤية الطرفين، بل إن لديها رؤية مختلفة تماما، ويتلخص اهتمامها بالسيطرة على أكبر مساحة ممكنة من الأرض السورية، وصولا إلى رفع رايتها وإعلان دولتها، وهذه الجهة التي تبرز دولة العراق والشام الإسلامية في صدارتها تشكل عبئا ثقيلا على كاهل المعارضة التي ظلت ساكتة على تدخلها في الشأن السوري أشهرا، خشية بث الذعر لدى الداعمين الغربيين من مجرد ذكر اسمها مقترنا بسوريا، مع إن المتابع للإعلام الغربي يجد أنه التقط هذه المعلومة منذ زمن طويل، وبات يتحدث عن ثورة «إسلامية» في سوريا، وتضجّ مقالات كتاب الرأي بالتحذير من زوال «النظام العلماني» وتحول سوريا إلى مركز لإنتاج «الإرهاب الدولي»، حتى أن المعارضة بكافة تياراتها لم تعترض على إطلاق تسمية «الهيئات الشرعية» بكل ما تحمله هذه المفردة من معان، ولم تطالب المجالس المحلية التي تتبع لها تلك الهيئات باعتماد تسمية «الهيئات القضائية» مثلا.

وعلى النقيض من هذا يعمل النظام وفق تخطيط واضح على طرح نفسه كآخر قلاع العلمانية، المشفوعة بالمقاومة والصمود طبعا، وهو يبدو ناجحا، رغم الطائفية المستفحلة التي تتحكم في أدائه وفي كل مفرداته، والتي أفضت إلى تحول «الطائفة العلوية» بأسرها، ودون أي استثناء، إلى مجموعة من القتلة يقودهم زعيم عصابة يسمي نفسه رئيسا، وهذا حسبما تصف الوضع السوري جهات عربية وإسلامية، ولعل هذا التوصيف يحمل في مضامينه نبوءة عن أن أي توقع لمستقبل سوريا سيبوء بالفشل، وليس الحديث عن حتمية الحل السياسي سوى رفاهية زائدة لا يمكن رسم خطوطها أو مسارها، إذ لا يمكن لجهتين، تعتبر كل واحدة منهما الأخرى عصابة، التفكير بأي شكل من أشكال المستقبل إلا بعد القضاء على العصابة الأخرى، وقد أفلح إعلام الأسد كثيرا في جعل أنصاره ينظرون إلى السنة على أنهم، متواطئون، على محور المقاومة والممانعة، وهم مستعدون للتخلي عن كل شيء في سبيل تدمير الوطن وتمزيق وحدته وتسليمه لإرهابيي «داعش» وسواهم.

وبما أن احتمالات التدخل العسكري الغربي، الأميركي تحديداً، قد أرجئت إلى أجل غير مسمى، بعد أن تلقف النظام طوق نجاة ألقي إليه من خلال مبادرة روسية، وقرر سريعا تسليم «أسلحته الكيماوية»، فإن العودة للحديث عن مؤتمر للسلام يعقد في جنيف بدأت تطفو إلى السطح مرة أخرى، وسيأخذ الحل السياسي مناقشات مطولة عن كيفية تطبيقه، ومن هي الأطراف التي ستدعى إليه، وهل سيوافق زعماء «العصابتين»، طبعا كما يصف أحدهما الآخر، على إلقاء السلاح و الجلوس وجهاً لوجه والاتفاق على مستقبل سوريا الذي لا يوافق أي منهما عليه.

* كاتب سوري

8