مستقبل قاتم يطبق على الطلاب الجامعيين السوريين في تركيا

الثلاثاء 2013/08/27
صراع البقاء لا يترك فسحة لمواصلة التعليم بشروطه المستحيلة

العدد الضخم والمتزايد باستمرار للطلاب الجامعيين السوريين النازحين إلى تركيا، بات يهدّد بضياع جيل من الجامعيين وهي مشكلة لا تقل شأنا عن الأزمات التي يعيشها ويصارعها الشعب السوري.

إسطنبول – يقول مراقبون إن إقصاء جيل كامل من الطلاب الجامعيين السوريين، وإبعادهم عن موقعهم في منابر العلم والفكر والأدب يهدد مستقبل البلاد في المستقبل القريب والبعيد.

أعداد الطلاب الجامعيين الذين نزحوا إلى تركيا تبلغ عشرات الآلاف في أقل تقدير، إذ يصعب تقديم إحصائية دقيقة في ظل تبعثرهم بين المخيمات والمدن التركية.

نزح الطلاب مع أهلهم بسبب الحرب والملاحقات الأمنية والتدمير الذي طال أحياءهم ومنازلهم، لأسباب كثيرة معيشية وإنسانية، دفعتهم لترك طموحهم وأحلامهم ومستقبلهم ورمي سنوات طويلة من الدراسة خلف ظهورهم.


عوائق إكمال الدراسة في تركيا


الجامعات الخاصة في تركيا تقبل الطلاب السوريين مقابل مبالغ مادية "باهظة" لا يحتملها النازح من ويلات الحرب. أما الجامعات الحكومية فلديها بعض المنح للطلاب السوريين، لكنها تأتي بشروط قاسية لا تتوفر في معظم الطلاب، لأنهم دخلوا الأراضي التركية بطرق غير نظامية.

كما أن معظمهم لا يحمل معه حتى البطاقة الشخصية، فكيف له أن يحمل جواز السفر الذي يعد شرطا أساسيا للجامعات الخاصة والحكومية؟

وكذلك الحال بالنسبة للأوراق الجامعية وكشوف التحصيل الدراسي، التي تحتاج لأيام في دوائر الجامعات السورية لاستخراجها في الظروف الطبيعية. لذلك فإن شروط الجامعات التركية تنطبق فقط على حالات النقل النظامي من جامعة إلى أخرى، ولا تنطبق على حالة الطالب السوري النازح.

من البديهي أن أي طالب نازح إلى دولة أخرى من دون قرار مُسبق، لا يحمل في أفضل الأحوال أكثر من بطاقته الجامعية، التي تدل على اسم جامعته وكليته واختصاصه الجامعي.

ويقول عماد العلي الطالب بكلية الحقوق بجامعة الفرات: " لم نشعر بأن قوانين وشروط كل الجامعات والمنح التي قدمت للسوريين تخصنا… لم نسع إليها لأن شروطها لا تنطبق علينا. نحن لا نملك جوازات سفر ولا نحمل معنا أوراقنا الجامعية".


نزوح متكرر وثورة مستمرة


ويقول الطالب السوري دليل الجراح الذي كان طالباً في السنة الرابعة بكلية التمريض بجامعة حلب إنه نزح إلى تركيا "حين باتت أحياء المدينة تنام وتصحو جراء قصف الطائرات والدبابات… بحكم اختصاصي كطبيب مساعد، حاولت أن أساهم في رفع المعاناة، فتطوعت في مشافي الميدانية لمداواة الجرحى، لكن تم استهداف المشفى الميداني الذي عملت فيه قرابة الشهرين، فتشتت طاقمه الطبي".

وأضاف "اضطررت بعدها للنزوح إلى قريتي الحدودية، لم يكن بمقدوري الدوام في الجامعة، لأني كنت مطلوباً للجهات الأمنية، فلم يبق أمامي إلا النزوح إلى تركيا آملاً إكمال دراستي أو العمل، لأستطيع مساعدة الأهل في الداخل كون الظروف الإنسانية أصبحت معدومة، ولكنني صدمت بالساعات الطويلة للعمل التي تصل أحياناً إلى أكثر من 15 ساعة".

أما محمد موسى طالب الهندسة الكهربائية في دمشق فيقول: "كنت أقطن في الغوطة الشرقية لدمشق، ولكن القصف أجبرني على النزوح مع عائلتي داخل سوريا وبعدها لخارج الحدود… حاولنا الاستقرار في المدن التركية الحدودية، لكن لم نستطع الحصول على العمل أو السكن المناسب، فتابعنا النزوح إلى أن استقر بنا الترحال في إسطنبول".

وأضاف أن "القرارات الجامعية المعقدة والوضع المادي الصعب أجبراني على الكف عن محاولة الالتحاق بالجامعة، فدخلت الحياة العملية. كما أني بقيت على تواصل مع نشطاء الداخل عبر الإنترنت لمساعدتهم في المجال الإعلامي، وأيضاً أحاول مساعدة اللجان الإغاثية للسوريين والعمل ينهكني ويأخذ كل وقتي".


من مقاعد الجامعة إلى مواقع العمل


ويشير محمد موسى بأنه يعمل مع أخيه علي، وهو الآخر طالب هندسة ميكانيكية، في مخبز 13 ساعة يوميا، وأحياناً أكثر من ذلك ودون عطل أبداً، وبنصف الأجر الذي يتقاضاه العامل التركي، لأنهما بلا ثبوتية، وأن الحاجة المادية وعدم توفر فرص عمل للسوريين أجبراهما على الاستمرار فيه.

وتقول الطالبة رهف السيد التي كانت تدرس الترجمة الإنكليزية في جامعة تشرين في اللاذقية، أنها تعمل في مشغل للخياطة 12 ساعة يوميا. وتضيف: "أشعر بأنني لم أعد أميّز الأيام من بعضها، لأنني لا أحظى بأي عطلة… لم يعد يهمني أن أميز الأيام، فليس بمقدوري تغيير شيء… وربما العمل ورغم تعبه ينسيني ولو بعض الشيء، الواقع المرير الذي فرض علينا".


إقامة بائسة ومستقبل مجهول


عائلة الطالبة رهف السيد المكونة من 6 أشخاص تقيم في إسطنبول في قبو مبنى قديم، ورغم إيجاره الرخيص، لكنه يبقى غالياً بالنسبة لعائلة نازحة، إضافة إلى أنه يفتقر لمقومات الحياة الأساسية.

وتضيف "لا أستطيع فصل مستقبلي الدراسي عن مستقبل وطني، أشعر باليأس وأخشى أن تكون دراستي قد صارت ذكرى من الماضي… لا أمل يلوح من المعارضة السورية في تركيا، ولا من الحكومة التركية، ويبدو أنني وأمثالي من الطلاب لسنا إلا سلعاً للتجارة بيد المعارضة والحكومات".

يذكر أن بعض الدول الأوربية التي أعلنت عن منح خجولة للطلاب السوريين، تفرض نفس الشروط التي كانت تفرضها على الطلاب في الحالات المستقرة والطبيعية، وهي لا يمكن أن تنطبق على الطلاب النازحين من ويلات الحرب. ويبدو أن الدول التي تملك القرار تتغاضى، ولا تدرك أنها تساهم بتدمير مستقبل التعليم في سوريا بعدم تدخلها لإيجاد حلول لهؤلاء الطلبة.

ويبقى السؤال: أليس من واجب الجامعات العالمية أن تحتضن الطلاب الذين تشردوا وانحرف مسارهم إلى مستقبل مجهول؟ أليس على المعارضة السورية أن تقوم بواجباتها تجاه طلاب سوريا الذين انتهى بهم المطاف إلى العمل بالورشات والمعامل والمخابز وكأنهم لم يحلموا يوماً بالطب والهندسة والأدب؟

17