مستقبل ما بعد القيادة.. السيارات تزاحم الهواتف الذكية

تتطلع شركات صناعة السيارات إلى مستقبل من السيارات الهجينة المشتركة ذاتية القيادة، بعضها تتبنّى التطوّرات التكنولوجية في حين أن شركات أخرى تستعد لوقت يكون فيه بيع السيارات هو مجال عملها الأساسي، إذ ستتحول السيارات تدريجيا إلى هواتف ذكية كبيرة.
الثلاثاء 2016/01/26
السيارة.. مكتب بحزام أمان

لندن- تدرك شركات صناعة السيارات شيئا فشيئا أنه عليها التكيف مع قفزات هائلة تحققها التكنولوجيا نحو دمج الروبوتات في الحياة اليومية للبشر، وهو ما يهدد مكانة السيارات التقليدية.

واستعد عدد من هذه الشركات بالفعل لتغيير نشاط الشركة. ومن بينها عمالقة يحققون أرباحا بمليارات الدولارات من مبيعات السيارات التقليدية والسيارات الكهربائية. وتستعد أكبر شركة لصناعة السيارات في العالم لدخول عالم يتجاوز السيارات. وتريد شركة تويوتا أن يدرك العالم أنها مستعدة للتفكير بما لا يُمكن تصوّره.

ويتصور جيل برات، رئيس وحدة أبحاث الروبوتات والذكاء الاصطناعي في الشركة اليابانية، أن نوعا آخر من الآلة قد يحل محلّ السيارات باعتباره الرغبة الرئيسية. ويقول “الروبوتات في المنازل قد تُصبح في النهاية ذات أهمية شخصية في المستقبل أكثر بكثير مما كانت عليه السيارات في الماضي”.

وأكد برات أن شركة تويوتا تريد الاستفادة من المهارات المُكتسبة من أجل صنع السيارات دون سائق لتواكب تطوير الروبوتات المنزلية التي يُحتمل أن تُبشّر بتحوّل كبير في أعمالها يعادل في ضخامته ابتعادها منذ عقود عن المعامل الميكانيكية في بداية عصر السيارات.

ولم تكن الشركة اليابانية هي الوحيدة التي تمكنت من الاستحواذ على خبير روبوتات شهير من عملاق التكنولوجيا غوغل لتعزيز وحدة الذكاء الاصطناعي فيها. فقد انتشرت ملامح في معرض الإلكترونيات الاستهلاكية السنوي في لاس فيغاس، تدل على أن شركات صناعة السيارات تستعد للقفز إلى المستقبل.

كارلوس غصن: ظهور السيارات ذاتية القيادة والسيارات الكهربائية يشير نحو المستقبل حيث السيارات المشتركة تحل محل ملكية السيارات الفردية بالنسبة إلى الكثير من الناس

وأعلنت شركة جنرال موتورز عن استثمار بقيمة 500 مليون دولار في ليفت، وهو تطبيق يمكن مستخدمه من الحصول على سيارة أجرة، ويحاول أن يُشكّل تحديا عالميا لتطبيق أوبر الرائد في سوق سيارات الأجرة.

ويمكن لتطبيقات مثل ليفت أن تُشكّل تهديدا كبيرا لقطاع السيارات. وإذا حلّت هذه التطبيقات على نطاق واسع محل ملكية السيارات، وحوّلت السيارات إلى مرافق مشتركة يُمكن تبادلها، فإن شركات مثل جنرال موترز ستخسر علاقتها المباشرة مع الكثير من الزبائن.

وتصطف سلسلة من شركات صناعة السيارات في معرض الإلكترونيات الاستهلاكية لتتباهى بأحدث التطوّرات في سياراتها المُتّصلة بالإنترنت. وتقول شركة فورد الأميركية إنها ستكون قادرة على ربط السيارات بالمنازل، والسيارات دون سائق، وسيكون الزبائن قادرين على التحقّق من كفاءة استخدام سياراتهم للوقود من على طاولة المطبخ أو التحكم بسيارة دون سائق من مقعد السائق في سياراتهم. وتقدر شركة رولاند بيرجر المتخصصة في استشارات السوق، أن حجم سوق تكنولوجيا القيادة الذاتية سيتراوح بين 40 و60 مليار دولار بحلول عام 2030.

ومعرض الإلكترونيات الاستهلاكية في لاس فيغاس هو بداية مسرعة لأسواق التكنولوجيا في عام 2016. ويشير انطلاقه إلى أن الصناعة تستعد للانتقال بشكل حاسم إلى ما وراء تصميم وصناعة وبيع السيارات.

لكن الأجواء في المعرض لم تخل من الحذر، إذ تدرك شركات صناعة السيارات أنه سيكون عليها الدخول في منافسة شرسة ليس فقط مع بعضها البعض بل أيضاً مع شركات من أمثال غوغل، ومطوّرين آخرين للذكاء الاصطناعي ومصنعي الروبوتات.

وقال جون ليش، رئيس قسم السيارات في الشركة كيه إم بي جي الاستشارية إن “صناعة السيارات لا تزال تستكشف طريقها بحذر نحو المستقبل المجهول”. وعن التجارب التي ميّزت النهج المُبكر نحو أشياء مثل السيارات دون سائق، قال “إنه نهج نحو التكنولوجيا يتجنب المخاطر إلى حد كبير”.

وتدرك شركات صناعة السيارات أنها لم تستبعد بعد من لعبة قد تشمل وضع رهانات نهائية على أي شكل من أشكال النقل الشخصي، وأي نموذج من نماذج الأعمال هو الذي سيسود.

لكن الخطر يكمن في أن شركات صناعة السيارات تتنازل عن المستقبل. ويقول ليش “هذا يترك المجال مفتوحا أمام وافدين جُدد. سنرى مزيدا من الشركات أمثال غوغل ومزيدا من أمثال تيسلا (مصنع السيارات الكهربائية)”.

ستكون شركات صناعة السيارات قادرة على ربط السيارات بالمنازل، وسيكون الزبائن قادرين على التحقق من كفاءة استخدام سياراتهم للوقود من على طاولة المطبخ

ولخص كارلوس غصن، الرئيس التنفيذي في شركتي رينو ونيسان، الحالة المزاجية بين شركات صناعة السيارات الكُبرى. وردا على سؤال عن استعداد تويوتا لتصور مثل هذا التغيير الجذري في أعمالها، رفض ذلك باعتباره ردا خطابيا إلى حد كبير على اضطرابات تكنولوجية غير مسبوقة: الوصول شبه المتزامن للسيارات الكهربائية، وتكنولوجيا السيارات ذاتية القيادة، والاتصال بشبكة الإنترنت الموجودة في كل مكان.

وقال غصن “سيقول لك بعض الناس إننا لا نصنع السيارات، بل نصنع البرامج ونصنع الروبوتات، نحن نصنع هذا ونصنع ذاك”، لكن بالنسبة إلى الشركات مثل رينو ونيسان، يقول “إن هناك مستقبلا واضحا أن تكون شركة مزوّدة بأدوات التنقل الشخصي، يتراوح من بيع سيارات بقيمة 3000 دولار في الهند إلى توفير سيارات دون سائق تجلب حرية أكبر للبالغين من العمر 95 عاما”.

واجتاحت موجة واسعة لإعادة صياغة “التنقل” صناعة السيارات في الوقت الذي تسعى فيه الشركات لمواجهة المستقبل وفي الوقت نفسه تفادي تغيير جذري قد يطرأ على صناعتها.

وفي حين تقدر شركة فورد أنه يتم إنفاق ما مجموعه 2.3 تريليون دولار على السيارات كل عام، تشير توقعات إلى أن الرقم سيرتفع إلى 5.4 تريليون دولار إذا تم إدراج الإنفاق في جميع أشكال النقل الشخصي والخدمات، باستثناء السفر الجوي، وفق مارك فيلدز الرئيس التنفيذي لشركة فورد، الذي قال في مقابلة مع صحيفة “فاينانشيال تايمز″ البريطانية “نحن، فضلاً عن بقية القطاع، لن نحصل عمليا على أي شيء من هذا. إنه امتداد طبيعي لعملنا”.

لكن الشركة لم تظهر على مدى عقود أي تقدم في اتجاه هذا الامتداد الطبيعي، إذ لم يتحقق أي شيء من بنود الرؤية التي وضعها جاك ناصر الرئيس التنفيذي السابق لشركة فورد باعتبارها شركة تنقل قبل نحو 15 عاما.

يقول غصن “اتجاهات التكنولوجيا التي نراها اليوم تتناقض مع بعضها البعض. ظهور السيارات ذاتية القيادة والسيارات الكهربائية قد يبدو أنه يُشير نحو المستقبل حيث السيارات المشتركة، تحلّ محل ملكية السيارات الفردية بالنسبة للكثير من الناس”. وأكد أن الدافع التكنولوجي الكبير الآخر في الوقت الراهن، هو الاتصال واسع الانتشار بشبكة الإنترنت، يسحب في الاتجاه الآخر.

وأصبحت الهواتف الذكية بمثابة نموذج الأجهزة المُتّصلة بجميع أنواعها. ومن خلال استيعاب البيانات واحتكار شغف المُستخدمين، فقد ظهر إلى أي مدى قد تصل قوة الهواتف الذكية.

ويعتقد غصن أن الشيء نفسه سيحدث للسيارات. ويقول “السيارة ستُصبح مساحة شخصية مُثقلة للغاية، لأن ما نحاول أن نفعله بالسيارات المُتّصلة بالإنترنت يجعلها امتدادا لمكتبك أو منزلك”. ويُشير ذلك إلى رؤية جذابة بالنسبة إلى شركات صناعة السيارات في عالم جديد حيث السيارات ذاتية القيادة المُتّصلة بالإنترنت هي الهواتف الذكية الجديدة.

ترى شركات صناعة السيارات أوجه الشبه الأخرى بالأجهزة الخلوية: شركات أودي وبي إم دبليو ومرسيديس بنز وضعت تركيزاً كبيرا على التحكّم ببيانات السيارات التي يُمكن استخدامها لتقديم خدمات جديدة قيّمة.

جيل برات: الروبوتات في المنازل قد تصبح ذات أهمية في المستقبل أكثر مما كانت عليه السيارات في الماضي

لكن هذا التشبيه يحمل أخطارا كبيرة، فتحويل شيء يُستخدم يوميا إلى آلة رقمية مُتّصلة، يفتح صناعة الهاتف النقال أمام دخول منافسين أقوياء من مجال التكنولوجيا، الأمر الذي أدى في السابق إلى تقويض الشركات الرائدة في السوق مثل نوكيا وبلاكبيري.

ومن بين شركات صناعة السيارات التي بدأت في منافسة شركات صناعة الهواتف الذكية فاراداي فيوتشر، الشركة الناشئة في مجال السيارات الكهربائية في كاليفورنيا، التي أعلنت عن أولى سياراتها في معرض الإلكترونيات الاستهلاكية.

ويقول نيك سامبسون رئيس قسم الأبحاث والتطوير في الشركة “تكنولوجيا أي سيارة جديدة غالبا ما تكون قديمة الطراز بمقدار عامين أو ثلاثة أعوام مقارنة بأحدث الهواتف الذكية. نحن نحاول مزج ودمج الإثنين”.

وأضاف “سيتم تسديد أثمان السيارات مثل الهواتف الذكية، على أقساط شهرية تشمل مجموعة من الخدمات ستشترك جميعها في خدمة تنقل، وهذا يُغيّر الطريقة التي تبني عملك على أساسها”.

وتراهن شركات صناعة السيارات على أن بإمكانها التكيف مع مثل هذه المتغيرات بشكل أسرع من إمكانية تعلم الوافدين الجدد للأسس الصارمة لقطاع صناعة السيارات.

وقال آندي بارات، مدير شركة فورد في بريطانيا “تعيد صناعة السيارات اختراع نفسها على أساس منتظم إلى حد ما. لن نكون الشركة التي نحن عليها الآن بعد 10 سنوات”. وتشيع بين شركات صناعة السيارات الكبرى ثقة بالنفس تولدت منذ عقود من التكيف مع التقنيات الجديدة، فعلى سبيل المثال، حقق عصر البرمجيات تيارا من التحسينات، بدءا بفرامل إيه بي إس ووصولا إلى أنظمة الإنذار عند الاصطدام.

وكان الجدول الزمني المتفائل الذي صاغه غصن لشركتي رينو ونيسان نموذجيا. وتسيطر تكنولوجيا القيادة الذاتية على هذا الجدول حيث يصبح السائق غير موجود، وحتى خمس سنوات من الآن، ستكون السيارة قد تولت القيادة تماما ويكون السائق جالسا يقرأ كتابا.

13