مستودع الثأر

الثلاثاء 2017/08/01

لا تفهموني خطأ. ليس كل ثأر يتضمن أذى أو لطمة أو شرا. الثأر الذي أتحدث عنه يشتمل على الهدايا والتحيات والابتسام. الرد فعل ثأري. من يقول لك “كيف حالك؟” ستقول له فورا “كيف حالك أنت؟” يعني تعامله كمن يقول “أنت ملعون” فتجيبه “ملعون أنت”.

وبهذا نستطيع أن نؤكد بثقة أن الثأر غريزة وطبع إنساني أصيل. ما أن يهديك أحد شيئا حتى تفكر في رد الصاع صاعين فتهديه أنت شيئا. حتى التحية ترد بأحسن منها. يقول أحدهم السلام عليكم فتبادره بالقول “وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته” بتشف وابتسامة صفراء ظافرة. الظفر يأتي من إحساسك بإدراك الثأر.

هناك طبعا لؤماء لا يتركون لك مجالا لرد الصاع صاعين ولا يسمحون لأحد أن يرد التحية بأحسن منها. ناس يلغ بهم اللؤم أنهم يفاتحونك بقول “السلام عليكم ورحمة الله وبركاته” فلا تملك سوى الرد بالمثل. هؤلاء يمكن النظر إليهم بتعريفين: هم إما من النوع الذي يحاصر الحسنات ولا يريد لك أن ترد التحية بأحسن منها وبذلك تصيب حسنة، وإما أنهم مانعون للثأر كما شرحت قبل بضعة سطور.

محاصرة الحسنات حالة موجودة وهناك من يتعامل على أساس أن كل من يحصل على حسنة قد آذاه، وكأن عدد الحسنات الممكن أخذها محدود وكل من يسحب واحدة سينقص من نصيب غيره.

في بيتنا مخزن للهدايا الثأرية. أعرف علب البسكويت والشوكولاتة المخزونة هناك وكيف تلقيناها ثأرا من هدية مماثلة قدمناها لأحد. وهناك أشياء أخرى تلقيناها من باب الثأر أيضا. توجد “برطمانات” أو علب زجاجية متوسطة الحجم تحتوي على مربيات مهداة من الجيران الإنكليز.

يصنع الناس هنا مربيات بإصرار، والأهم والفريد هو ما يعرف بالتشاتني وهو ضرب من مخلل الفواكه في نسخته الإنكليزية (أصله هندي ومختلف) ويقف في الوسط بين المربى والمخلل. شيء مثل طرشي النجف فيه خل وفيه حلاوة لكنه أسمك قواما. التشاتني موضوع فيه إجاص أو تفاح أو أي فاكهة تجود بها الحديقة أواخر الصيف. الإنكليزيات من ربات البيوت يصنعن التشاتني وبسبب تعلق هذا الشعب بالتدوين والتوثيق، يضعن ورقة عليها تاريخ الصنع.

في المجمدات وعلى علب المربى والتشاتني هناك علامة تدل المستخدم على المادة الموجودة وتاريخ التجميد. عشت في العراق ردحا طويلا من عمري ولم أر علامة على الأكياس في المجمدة، نعرف ما في الكيس بالتخمين. نحب المفاجآت.

أمضيت بعضا من الوقت أحاول أن أتذكر تواريخ تلقينا كل هدية في خزانة الهدايا هذه. تمنيت لو كنت مولعا بالتدوين مثل الإنكليز، فتحسرت وأغلقت باب مستودع الثأر.

24