مسجد إسطنبول الجديد.. رمز عثماني يطل على حاضر علماني

الإسلاميون يسعون إلى صياغة هوية وطنية تستند إلى تفسيرهم للتاريخ والإسلام.
الاثنين 2019/03/11
خطوة استعراضية من النظام

مسجد “تشامليجا”، الذي تمّ تدشينه الخميس الماضي في القسم الآسيوي من إسطنبول، اعتبر مشروعا استعراضيا من قبل نظام الرئيس رجب طيب أردوغان، بالنظر إلى الظرفية الاقتصادية والسياسية التي أنجز فيها المشروع، لكن الأخطر من المفارقات الاقتصادية، هو أن المسجد مثّل استدعاء للتاريخ السلطاني العثماني في واقع علماني تسعى السلطة القائمة إلى اختراقه بالتدريج.

إسطنبول (تركيا) - في الوقت الذي تتجه فيه البلاد صوب الانتخابات المحلية المقرّرة في 31 مارس الجاري، في سادس استحقاق انتخابي تشهده تركيا خلال خمس سنوات، يشكّل التباطؤ الاقتصادي وارتفاع تكاليف المعيشة القضية الأهم بالنسبة إلى معظم سكان تركيا حاليا. وخلال ما يقارب الشهر، وقف الأتراك في طوابير طويلة بالمدن الكبرى لشراء احتياجاتهم من أكشاك تبيع السلع بأسعار مخفضة.

وكان هذا مشهدا غير مسبوق في تركيا على مدار 16 عاما في ظل حقبة الرئيس رجب طيب أردوغان، رئيسا للوزراء ثم للجمهورية. ولطالما راهن أردوغان على الاستقرار الاقتصادي، في ما حقق من تأييد شعبي ومن جذب لأصوات الناخبين.

ورغم معدّلات التضخم المرتفعة وتراجع قيمة العملة التركية (الليرة)، فإن رجب طيب أردوغان ينفق بسخاء بالغ قبيل الانتخابات، ويقدّم حوافز ضريبية واستثمارية تصل قيمتها إلى المليارات من الليرات.

لكن هذا الكرم يتجسد بشكل فاضح في العديد من مشروعات التشييد الطموحة، وبينها مسجد “تشامليجا” الضخم الذي افتتح في إسطنبول الخميس الماضي. ويروق المسجد، الذي يعدّ الأكبر في تركيا، لقاعدة الناخبين القوية التي يتمتع بها الرئيس التركي بين المسلمين الملتزمين في بلاده.

وأقيم مسجد “تشامليجا” فوق تل يحمل نفس الاسم، على الجانب الآسيوي من إسطنبول، وقد استمرت عملية البناء ست سنوات. ويضم المسجد قاعة مؤتمرات ومكتبة ومتحفا ومرآبا يسع نحو 3500 سيارة. ومن المقرر أن يفتتحه أردوغان رسميا في وقت لاحق.

وللمسجد الذي يتسع لنحو 63 ألف مصلّ، مكانة خاصة لدى مؤيدي الرئيس التركي، الذين يرون فيه “مشروع أردوغان”، حيث إنه من المشروعات الكبيرة التي جاءت بتوجيه من الرئيس شخصيّا.

المسجد يمثل عودة إلى الماضي العثماني لتركيا، ورمزا لطموحات أردوغان في إعادة صياغة الطبيعة المعمارية لتركيا العلمانية

توقيت تدشين المسجد، قبل أيام من انطلاق الانتخابات المحلية في تركيا منحت وجاهة كبيرة للانتقادات التي توجه لحزب العدالة والتنمية، الذي يحرص على استمالة الأتراك قبل كل حدث انتخابي بافتتاح العديد من المشروعات وإن لم تنتهِ بعد، لتشهد هذه المشروعات عدّة افتتاحات في أوقات مختلفة.

وتُجرى الانتخابات المحلية بالبلاد في 31 مارس الجاري، وقد نقل عن أردوغان في الماضي قوله لحزبه “إذا خسرنا إسطنبول، خسرنا تركيا”. ويذكر أن أردوغان قال عن المسجد قبل شهور “إنه مشروع رائع. هو الدرع الروحي الجديدة لإسطنبول”.

والمسجد هو أحدث مشروعات البناء التي ينظر إليها على أنها تمثّل عودة إلى الماضي “العثماني” لتركيا، ويعتبر رمزا لطموحات أردوغان في إعادة صياغة الطبيعة المعمارية والحضرية لتركيا العلمانية.

يطلّ المسجد من أعلى تلة تشامليجا على مدينة إسطنبول، في اختيار مقصود للموقع وللدلالات العمرانية، عُدّ تحديّا للإرث العلماني التركي واستدعاء للتاريخ السلطاني العثماني، الذي يقوم في صفحات كثيرة منه على البهرج والأبهة في المعالم والبناءات.

وبالنسبة إلى سلاطين الإمبراطورية العثمانية التي امتدت من البلقان إلى الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، حيث حكمت لنحو ستة قرون، فإن إقامة المساجد الكبرى البارزة كانت تمثّل رمزا للقوة والاستقرار والثراء.

هذا الاندفاع النهم لتغيير وجه المدن التركية عبر ضخّ المزيد من الموارد الضخمة، لا يحظى بموافقة أكثر من نصف سكان البلاد، وفقاً لما يراه المحلل مصطفى سونميز، الذي يؤكد أن طموح أردوغان لنشر العمارة الإسلامية في كل مكان يمثّل تهديدا للهوية العالمية والتعددية الثقافية لإسطنبول.

ويقدم “المسجد الأزرق” المقام على تلة أخرى على الجانب الأوروبي من العاصمة العثمانية السابقة، مثالا آخرا رائعا، حيث يقصد الملايين من السائحين هذا المعلم التاريخي سنويا.

وقد أشادت وسائل الإعلام الموالية للحكومة بمسجد تشامليجا كمنافس لمسجدي السلطان أحمد والسليمانية التاريخيين الشهيرين، وهما من الحقبة العثمانية على الجانب الأوروبي من المدينة في قلب عاصمة الإمبراطورية السابقة. وقد قارن عدد من كتّاب الأعمدة أردوغان بالسلاطين الذين بنوا تلك المساجد العظيمة.

ويرى بولنت باتومان، من جامعة بيلكنت في أنقرة، أن هذا التقليد السلطاني قد تطور إلى طموح سياسي في تركيا الحديثة، حيث يحاول الحكام الإسلاميون المحافظون صياغة هوية وطنية جديدة، تستند إلى تفسيرهم للتاريخ والإسلام السني.

ويقول باتومان “العمارة الإسلامية وسيلة لإظهار أن الأتراك قادرون على فعل ما هو أفضل من الماضي”. ويتردد أن أردوغان اختار أعلى بقعة في المدينة التي يصل عدد سكانها إلى 15 مليون نسمة لمسجد “تشامليجا” ليراه القاصي والداني.

ويرى باتومان أن هذا ليس من قبيل المصادفة، ويقول “هوس إقامة البناء الأعلى والأوسع والأكبر يتماشى مع جهود تعزيز الشعور بالفخر الوطني”. وتؤتي هذه السياسة، التي تعضدها الأموال، ثمارها مع القاعدة الشعبية من الناخبين.

واستخدمت العائلات التي لديها أطفال والشباب وكبار السن نفق سيارات وخط حافلات عامة، تزامن افتتاحهما مع افتتاح المسجد، للمشاركة في أداء أول صلاة تقام بالجامع الجديد. وهناك خط قطارات أنفاق منفصل تحت الإنشاء حاليا لتسهيل الوصول إلى “تشامليجا”.

ويقول علي عثمان، وهو سائق سيارة أجرة كان ينتظر ركابا خارج المسجد الجديد، “انظر… اكتمال بناء المسجد مبعث فخر”.

ويضيف عثمان “نسمع في نشرات الأخبار أن دولة غنية، مثل ألمانيا، لا تستطيع أن تنجز مشروع مطار خلال عدة أعوام”، مشيرا إلى أنه سيؤدي الصلاة في المسجد في وقت لاحق ذلك اليوم.

Thumbnail

إن رؤية أردوغان لإقامة محور حضري ومعماري جديد أمر ربما يروق لقطاعات كبيرة من المجتمع التركي رغم الجهود والموارد الضخمة التي يجرى ضخها في هذا الاتجاه، وفقا لما ذكره المحلل مصطفى سونميز.

ويقول سونميز “هذا الطموح لنشر العمارة الإسلامية في كل مكان يمثّل تهديدا للهوية العالمية والتعددية الثقافية لإسطنبول، التي هي في الحقيقة، تراث عثماني”.

ويرى أن “الاندفاع النهم لتغيير وجه المدن التركية أمر لا يحظى بموافقة أكثر من نصف سكان البلاد”. بعض المهندسين المعماريين انتقدوا المبنى الجديد لكونه تقليدا للمساجد العثمانية، بدلا من عمل تصميم أصلي جديد. ويقول آخرون إن المسجد شُيد على تلة كبيرة، ولا يخدم المجتمع.

وقال المهندس المعماري إسماعيل تاندوغان “يمكن رؤيته من جميع أنحاء المدينة تقريبا. لكن عندما ننظر إلى المنطقة المحيطة، لا يوجد مجتمع لهذا المسجد”. وقال أيوب موهوجو رئيس اتحاد المهندسين والمعماريين “إنه خارج المدينة على التل… بني على بقعة منفصلة عن المدينة ولا يستطيع الناس الوصول إليها”.

وسوف يتميّز إرث أردوغان بمشاريع كبيرة ممولة من الحكومة تقوم ببنائها شركات بناء قريبة من الحزب الحاكم. وقال المهندس المعماري أحمد توران كوكسال إن مسجد تشامليجا سيأتي عليه الوقت ليمثل ما أسماه حقبة الإنشاءات. وأضاف كوكسال “خصائصها الوحيدة هي أن تكون كبيرة ومكلفة… سيكون نموذجا تقليدا ملموسا لأسلافه”.

في نفس توقيت تدشين مسجد “تشامليجا” تباهت وسائل الإعلام القريبة من حزب العدالة والتنمية في تركيا، بتوقف أشغال العمليات التحضيرية لبناء مشروع مجمع الأديان الثلاثة “البيت الواحد” وسط العاصمة الألمانية برلين، التي انطلقت في يناير الماضي، وربطت توقف الأشغال بكون “وصمة فتح الله غولن تقوّض مجمع الأديان السماوية ببرلين”، وهو ما يشير إلى التسييس المفرط في النظر إلى المنشآت الدينية، حيث يتم التركيز على إنشاء المساجد الضخمة التي ترمز للماضي السلطاني، وتوصم مشاريع كل الجهات المعارضة حتى في الخارج بكونها “إرهابية”.

13