مسجد الشيخ الرفاعي في القاهرة فسيفساء الأديان السماوية الثلاثة

وزارة الآثار المصرية تقر خطة لتطوير مسجد الشيخ الرفاعي بجوار قلعة صلاح الدين وسط القاهرة في إطار مشروع تطوير شامل يضم ثلاثة مساجد.
الاثنين 2018/08/27
أخطاء معمارية تكتب عنوانا للتسامح

القاهرة - أقرت وزارة الآثار المصرية مؤخرا، خطة لتطوير مسجد الشيخ الرفاعي بجوار قلعة صلاح الدين وسط القاهرة، بالتعاون مع وزارة الأوقاف في إطار مشروع تطوير شامل يضم ثلاثة مساجد تشمل، الرفاعي، والسلطان حسن، والإمام الشافعي.

وأكد هاني صلاح مدير منطقة آثار السلطان حسن لـ”العرب” أن ترميم الرفاعي يمر بعدة مراحل، إلا أن المرحلة العاجلة والتي سيتم البدء فيها خلال أيام تخص ترميم سقف المسجد، لأن حالته تمثل خطورة تستدعي البدء في ترميمه قبل إصلاح باقي الأجزاء المتصدعة.

وتستهدف خطة الترميم إعادة النسق الحضاري للمسجد، الذي مازال محط اهتمام وزيارة سياح أجانب، بعد أن قدم الجامع مزجا فريدا من معمار جذاب وأضرحة ملكية مثيرة وحكايات عن أهل الصوفية وكرمات الأولياء الصالحين، وتداخل الحكايات بين الديانات الثلاثة. ويُعد الرفاعي أحد أكثر المساجد في القاهرة غموضا وسحرا، ويتفرد باحتوائه على مقابر خمسة حُكام عظام منهم خديوي وسلطان وملكان وشاه، فضلا عن قبرين لاثنين من أولياء الصوفية، ومقابر لزوجات الحكام وبعض أبنائهم.

تتسع مساحات الدهشة بشأن المسجد عندما يظل اسمه مقترنا بالشيخ أحمد الرفاعي، أحد أقطاب الصوفية المعروفين، رغم وفاته في العراق في القرن الحادي عشر الميلادي، ولا يزال روّاد المسجد يحتفلون سنويا بمولد الرفاعي إلى جوار المسجد.

غرائب المسجد متعددة، والأضرحة والأسماء لا تنتهي، ويعدّ المسجد الوحيد في القاهرة الذي تبدو نوافذه الخارجية على هيئة صلبان مستوحاة من العمارة المسيحية الأوروبية. ويطل المسجد على ميدان القلعة ويقابله مسجد السلطان المملوكي الناصر حسن، وفي الجهة الأخرى يطل على حي سوق السلاح، وشارع الدرب الأحمر، وتوجد في الناحية الشمالية ساحة كبيرة تشرف على شارع محمد علي.

طبقا لأستاذة الآثار الإسلامية سعاد صالح في كتابها “مساجد القاهرة وأولياؤها الصالحين” فإن مسجد الرفاعي بدأ إنشاؤه سنة 1869.

وأمرت بإنشائه خوشيار هانم زوجة إبراهيم باشا نجل محمد علي باشا والي مصر، وعرفت في التاريخ باسم “الوالدة باشا” باعتبارها والدة الخديوي إسماعيل الذي تولى حكم مصر والسودان في الفترة من سنة 1863 إلى 1879. ظل المسجد نصف مبني حتى سنة 1905 عندما قرر الخديوي عباس حلمي استكمال بنائه وعهد بذلك إلى مهندس روماني مسؤول عن الآثار الإسلامية في مصر، هو ماكس هرتس، ومساعده الإيطالي كارلو فيرجيليو سلفاني، ليتم الانتهاء منه عام 1912.

وأدى تعدد المهندسين وطول فترات البناء وتكرار عمليات الإضافات والتجديد، إلى تشوه عمارة المسجد، ويظهر ذلك في تباين الطرز المعمارية المستخدمة، والمزج بين الفنون الإسلامية والمسيحية الأوروبية.

وأكد خالد حرفي، المتخصص في الآثار الإسلامية، أن هناك أخطاء معمارية عديدة في مسجد الرفاعي تبدو أكثر وضوحا، موضحا لـ”العرب” أن أبرز الأمثلة على ذلك وجود حليات ثلاثية أعلى جدران المسجد من الخارج، تضم نوافذ دائرية موزعة على هيئة صليب وهي مستوحاة من الكنائس الأوروبية في القرن التاسع عشر.

تعدد المهندسين وطول فترات البناء وتكرار عمليات الإضافات والتجديد أدى إلى تشوه عمارة المسجد

يحتوي باب المسجد على زخرفة شبيهة بنجمة داوود، وهو ما يعني وجود رغبة لدى المهندسين والمنفذين في الجمع بين طُرز الأديان السماوية الثلاثة في ذلك المسجد.

وتبدو مئذنتا المسجد وتقعان على الضلع الجنوبي قريبتا الشبه من مآذن العمائر العثمانية، وتتوسطهما قبة جميلة مزخرفة بزخارف هندسية متنوعة.

ورغم انتقادات الأثريين لبعض الجوانب المعمارية، يرى البعض أن تنوع الطرز المعمارية، هي نقطة قوة وليست ضعفا، فالمسجد يخاطب بتنوعه أذواق العالم الغربي.

تحقق فكرة الإبهار بالفعل بعد الدخول من الناحية الجنوبية إلى الصحن المسقوف بقبة عالية مزخرفة من الداخل تجمع بين الزخارف الإسلامية والزخارف الحديثة.

على مسافات متقاربة تتدلى مشكوات بلورية مضيئة، يعود معظمها إلى عصر الخديوي عباس حلمي (1892ـ 1914)، وتتوزع في جميع أنحاء المسجد والأضرحة الملحقة به.

أما المحراب فمُزين بخطوط طولية متباينة الألوان ويعلوه صف من الفسيفساء، كذلك يبدو كرسي المصحف المصنوع من الخشب المحلي بالصدف لافتا للنظر بألوانه الذهبية المضيئة.

وتأتي أهمية المسجد أيضا من احتضانه الكثير من الملوك البارزين، وهو ما جعله يجذب الأنظار. على يسار المدخل تظهر غرفة تُفضي مباشرة إلى قبرين الأول يخص آخر ملوك مصر فاروق، والآخر يخص شاه إيران. قبر الملك فاروق الرخامي مدون عليه تاريخ الميلاد 11 فبراير 1920، ثُم عبارة تولي عرش مصر والسودان في 6 مايو 1936، وتنازل عن العرش في 26 يوليو 1952، وتوفى في 18 مارس 1965. وتنفرد مقبرة شاه إيران بوجود عدد كبير من الكراسي الخشبية وحزم كبيرة من الورود والياسمين، ما يعطي انطباعا أنها محل زيارات متكررة.

ويكشف خالد حرفي أن الضريح المدفون فيه شاه إيران كان في الأصل يخص والده الشاه رضا بهلوي. وكانت الأميرة فوزية شقيقة الملك فاروق متزوجة من ابنه محمد رضا بهلوي، غير أن انفصالهما رسميا بعد سنوات قليلة من دفن الشاه المخلوع دفع ابنه محمد إلى نقل جثمانه مرة أخرى إلى طهران.

وتمثل منطقة الأضرحة في المسجد متاهات عدة ومداخل كثيرة، لا يعرفها سوى عم فايز حارس الأضرحة بالمسجد، والذي يقود الزائرين دائما نحو الناحية الشمالية لبدء الجولة بزيارة قبر الخديوي إسماعيل، وهو مكون من طبقتين من الرخام الأولي الذي يمتاز بالفخامة ويعلو عن سطح الأرض لنحو مترين، وعليه حليات وزخارف هندسية على هيئة محراب.

ويظهر قبر السلطان حسين كامل، كأكبر القبور حيث يتكون من ثلاث طبقات من الرخام المذهب ويعلوه شاهدان يشبهان المسلات الفرعونية. وحكم السلطان حسين كامل مصر لمدة ثلاث سنوات خلال فترة الحرب العالمية الأولى. أما قبر السلطان حسين كامل عبارة عن جلستين واحدة خضراء داكنة والأخرى صفراء وفوقها جلسة بها عقود مذهبة ترتكز على أعمدة صغيرة مذهبة.

هناك مقابر أخرى تخص أبناء الخديوي إسماعيل وزوجة السلطان حسين كامل ووالدة الملك فؤاد وكلها تتشابه في ألوان الجدران والمشهد الرخامي المذهّب.

ويقول عم فايز، "هناك زيارات نادرة لأضرحة الأسرة الملكية، غير أن الزيارات لا تنقطع لضريح شاه إيران، وضريح الشيخ على أبي شباك الذي يعدّ من تلاميذ الرفاعي.

20