مسجد "توبا" جوهرة المريدية في السنغال المميزة بطراز معماري عربي بيزنطي

الاثنين 2014/06/23
يشتهر المسجد بكبره واتساع مساحته وكثرة صومعاته

توبا- (السنغال)- “لا شيء يهمّني في هذا العالم سوى تشييد هذا المسجد”، هكذا عبّر الشيخ “أحمدو بامبا” المعروف باسم “سيرين توبا” (مؤسس الطريقة المريدية وهي توجه صوفي، وتعتبر من أقوى الجماعات الدينية بالسنغال وغرب أفريقيا) عن أمله برؤية حلمه يتحوّل إلى حقيقة ملموسة.

كانت تلك عبارته التي قالها عام 1926 وتناقلتها الأجيال من بعده، بيد أنّ الموت لم يمهله لمواكبة أعمال البناء فقد توفي سنة بعدها فيما لم تنطلق أشغال تشييد المسجد سوى سنة 1932، ليحمل اسم الرجل الذي لم يكن يمتلك من أحلام في الحياة سوى رؤية تلك الصومعة شامخة في السماء، وليتحوّل المسجد إلى إرث ذي خصوصية لدى خلفه ومريديه ممّن مضوا على طريقته.

يقع المسجد في مدينة “توبا” على بعد 194 ميلا شرقي العاصمة داكار، يطل على زوّاره بمآذنه السبع الشامخة، وبملامح عربية خالصة، تشوبها مسحة بيزنطية في رحاب أروقته الواسعة، حيث يزاول شيوخ المريدية أنشطتهم، في هذه المدينة التي تعد العاصمة الروحية لهذه الطريقة الصوفية.

مؤرّخ محلّي من مدينة توبا يدعى “سيرين مصطفى ديوب”، وهو أيضا من أفراد عائلة “بوسو” المكلّفة بإدارة شؤون مسجد توبا قال: “أوّل ما يتوجّب على الخلفاء القيام به هو الاعتناء بالمسجد، لأنّ “بامبا” كان يكنّ له تقديرا لا يوصف”.

مسجد “توبا” يعتبر اليوم من جواهر السنغال، وحاضنة روحية للطريقة المريدية المنبثقة عن الصوفية. صنّفه موقع “لنترنوت. كوم” من بين أجمل 25 مسجدا في العالم، لما تميّزت به هندسته المعمارية من جمال مستوحى من مزيج من المعمار العربي والبيزنطي.

يمتدّ المسجد على مساحة 8 آلاف و790 مترا مربعا، تزيّن إطلالته 7 مآذن أو منارات، 4 منها تبلغ 66 مترا من الارتفاع، واثنتان يناهز ارتفاعهما الـ 60 مترا (بصدد وضع اللمسات الأخيرة عليهما)، في حين تبلغ الأخيرة 86.80 مترا من الارتفاع، وتزيد طاقة استيعابه على 6 آلاف شخص. من الخارج، تبدو ملامح المسجد وفية للطابع المعماري العربي، غير أنّه، وبمجرّد تجاوز عتبته نحو الأروقة الداخلية الفسيحة، يتراءى للمرء الطابع البيزنطي المرتسم في كلّ ركن من أركانه، وقد ارتكزت عملية تشييد الجدران من الداخل على الرخام الأزرق والمرمر.. ومن بين أرجائه، تتعالى أصوات المقرئين تتلو القرآن لـ 28 مرة في اليوم، وفي ساحته الكبيرة، تنتصب أضرحة الشيخ “بامبا” وأبناؤه، بالإضافة إلى أضرحة أخرى لمختلف الخلفاء الذين حذوا حذوه.

يبدو المسجد وفيا للطابع المعماري العربي، أما الأروقة الداخلية، فيغلب عليها الطابع البيزنطي المرتسم في كل ركن

عندما أعرب “بامبا” عن آماله ببناء هذا المسجد، كان بحوزته 10 آلاف دولار قام بتجميعها من مريديه غير أنّ حجر الأساس الأول لبناء المسجد لم يوضع إلا سنة 1932 عن طريق ابنه البكر وأول خليفة للطريقة المريدية، الشيخ “محمد مصطفى”، ولم تشهد أعمال البناء توقّفا منذ تاريخ انطلاقها، إلا مع “اندلاع الحرب العالمية الثانية سنة 1941، بسبب توقّف إمدادات المعدّات”، بحسب ديوب.

وحين توفي الشيخ “محمد مصطفى” في 13 يوليو 1945، حمل أخاه وخليفته الشيخ “محمد فاضل” (عرف لاحقا باسم سيرين فالو) المشعل، وتعهّد بمهمّة الإشراف على أعمال بناء المسجد، لتنتهي سنة 1963، ثم تمّ افتتاح المسجد يوم 07 يونيو 1963 من قبل الخليفة الشيخ “محمد فاضل”، بحضور الرئيس السنغالي حينذاك “ليوبولد سيدار سانغور”، وهذا التقارب لقي استغرابا في حينه من طرف العديد من المراقبين، بما أنّ “سيرين فالو كان من شيوخ المريدية، وسانغور كان كاثوليكيا، اختلاف عقائدي لم يمنع ترعرع صداقة قوية بين الرجلين”، يقول ديوب، بل لقد “أظهر الرئيس السنغالي السابق حرصا على إنهاء بناء المسجد، وهو ما دفع بالعديد من متّبعي الطريقة المريدية في السنغال إلى دعمه سياسيا حينذاك”.

وبعد وفاة الشيخ “محمد فاضل” في 6 أغسطس 1968، سعى خلفاء المريدية المتعاقبين إلى توسيع المسجد جوهرة المريدية، “سيرين فالو بوسو أسان” من مركز بحوث “غيدي بوسو” بداكار قال بهذا الخصوص “على سبيل المثال، قام الخليفة الثالث سيرين عبد الأحد بتوشيح الأروقة الداخلية للمسجد بطابع مغربي جميل، وزاد من مساحته المغطّاة”، وأضاف “أما الخليفة الخامس سيرين ساليو، فقد قام بتجديد وتحديث المسجد بشكل كامل بين سنتي 1995 و1998”. وعلّق أحد أحفاد “سيرين توبا” ويدعى “سيرين أبو مباكي” على تواصل الأشغال في المسجد على مرّ السنين قائلا “المسجد الكبير بتوبا شبيه إلى حد كبير بحظيرة أشغال لا تعرف التوقّف، ذلك أنه على كلّ خليفة رعايته بطريقته.. إنه إرث الشيخ أحمدو بامبا، ولذلك، يوجد دائما ما ينبغي القيام به، أو إعادة فعله بطريقة أكثر مثالية”.

الخليفة الحالي للمريدية في السنغال، الشيخ “سيدي مختار” أطلق أشغالا تقدّر تكلفتها الجملية بحوالي 10 مليون دولار، انطلقت منذ مارس 2013، وترمي إلى توسيع المسجد، وتغيير الرخام.

12