مسجد درزي في لبنان بلا منائر أو قباب

من مسافة بعيدة، لا يمكن معرفة ما إذا كان المبنى القائم عند مدخل بلدة المختارة، معقل الدروز في جبل لبنان، هل هو مسجد فعلا، إذ أن هندسته التي تزاوج بين الابتكار والعقد الحجري القديم تعكس رؤية عمرانية مختلفة كليا عن أي دار عبادة تقليدي.
الاثنين 2017/02/20
زاوية مختلفة للتفكير في العلاقة بين الدين والحداثة

جبل لبنان - جرت العادة ألا يقيم الدروز المنحدرون من أحد المذاهب الشيعية الإسلامية صلاتهم داخل المساجد، إلا أن مسجد الأمير شكيب أرسلان، الواقع في بلدة المختارة بجبل لبنان، يهدف بالدرجة الأولى إلى دفع الزوار للتفكير في الدين والحداثة اللذين ينعكسان في مسجد بني بقرية يصلي أبناؤها في مكان آخر.

ويأتي بناء هذا المسجد الذي أفتتح في سبتمبر الماضي بمبادرة وتمويل من الزعيم الدرزي وليد جنبلاط، ليحل محل مسجد آخر كان موجودا في المختارة تم تدميره قبل عقود طويلة جراء عداوات عائلية. ويحمل المسجد اسم جده لوالدته.

ولإتمام مهمة إنجاز هذا المسجد، أعطى جنبلاط المهندس المعماري مكرم القاضي الحرية المطلقة لإعادة تصور حول ما يمكن أن تكون عليه دار العبادة لدى المسلمين، وجاءت النتائج مذهلة وفريدة من نوعها.

وعوضا عن القبة وبرج المئذنة التقليديين، تتصدر المسجد شفرات حديدية متموجة بيضاء اللون تشكل ما يشبه القفص، لتتداخل مع بناء حجري قديم موجود أساسا، كما لو أنها تشكل “حجابا”.

وفي إحدى الزوايا الخلفية للسقف، ترتفع هذه الشفرات لتعانق السماء، بما يحاكي تصميم المئذنة التقليدية.

ويتماهى انعكاس الضوء بين هذه الألواح البيضاء مع اللون الرملي الغامق للحجارة التي شيد بها المبنى التقليدي من طابق واحد.

وصمم المهندس الفراغات بين هذه الشفرات لتعكس كلمتين يمكن قراءتهما فقط من بعيد، وهما كلمة “الله” الموجودة على شفرات المئذنة الجديدة وكلمة “الإنسان” تحتها.

ويوضح القاضي أن هذا المشروع هو عصارة سنوات من إعادة تصور هندسة المسجد. ويقول “لا شيء مكتوبا في القرآن أو في الحديث يخبرك كيف يجب أن يكون المسجد”. ويضيف “برغم العدد الكبير من أفراد الفئة الشابة المتدينة، فإننا لا نرى الكثير من التجارب في هندسة المسجد بقدر ما نتوقع”.

وداخل قاعة المسجد، تبدو الجدران ناصعة البياض وعارية إلى حد كبير، في وقت يتسرب نور الشمس من كوة مستحدثة في سقف المسجد. وفي الجزء الخلفي من القاعة، حيث تحفظ النصوص الدينية تقليديا، يمكن قراءة كلمة “اقرأ” المتموجة على ألواح خشبية تشكل واجهة الحائط.

ويشرح القاضي “انطلاقا من أن "اقرأ" هي الكلمة الأولى في القرآن، فإنها لا تعني تلاوة عمياء بل قراءة نقدية”.

ولا يمكن لزائر المسجد إلا أن يتوقف مذهولا أمام سجادة باللونين الأبيض والأسود تغطي أرض القاعة الداخلية، في تصميم غير مسبوق يجسد موجات صوتية مأخوذة من تلاوة قرآنية.

ويقول الفنان لورانس أبوحمدان، الذي ابتكر هذه السجادة، “هذه السجادة تشكل نوعا جديدا من فن الخط، بمعنى أنها عبارة عن تجسيد مرئي للغة محكية”.

ويوضح أنه تم حذف كلمة “الله” حين ورودها في التلاوة القرآنية باعتبار أن السجادة ستوضع على الأرض ولكن أيضا “لتعكس فكرة مهمة جدا في هذا المسجد وهي أن الله ظاهر وباطن في آن معا”.

ورغم هذا الابتكار في هندسة المسجد، إلا أنه يحتفظ أيضا بعناصر رئيسية تقليدية، ومنها اتجاه القبلة نحو مكة المكرمة والآذان التقليدي.

ويشرح أبوحمدان أنه ابتكر صيغة جديدة للآذان تعتمد على الكلمات أكثر من التلاوة، لكن تم الإبقاء على التسجيل التقليدي نظرا لطليعية هذه الطريقة.

ويهدف المشروع وفق جنبلاط إلى أمرين، التأكيد على العلاقات بين المذهب الدرزي وباقي مذاهب الإسلام، وكذلك تعزيز التسامح الديني.

وتعد منطقة الشوف، حيث تقع المختارة، واحدة من المناطق التي شهدت المجازر الأكثر دموية خلال الحرب الأهلية في لبنان.

ومع تطور الأحداث في سوريا التي تشهد نزاعا دمويا منذ العام 2011، عانى الدروز كما غيرهم من الأقليات من قمع الجهاديين الذين أجبروا الكثير منهم على تغيير ديانتهم أو حتى طردهم من مناطقهم.

ويقول جنبلاط “أعتقد أن الرسالة التي علينا أن نقولها مرارا وتكرارا، دائما في لبنان، هي أنه مكان للتنوع والتعايش، ولا يمكن للبنان أن يحيا إلا من خلال هذا التنوع”.

وينظر أهالي المختارة إلى المسجد بفضول بوصفه مبادرة نحو الآخرين أكثر من كونه مكانا محتملا للصلاة فيه.

وتقول صباح عبدالصمد داخل صيدليتها المقابلة للمسجد “لم أدخله بعد ولكن من الخارج يبدو التصميم جميلا فعلا، إنه أمر محبب جدا، ويرمز للتنوع وقبول الآخر”. وتتابع “كثيرون من إخواننا المسلمين يمرون من هنا ومن الجيد أن يكون لديهم مكان للصلاة”.

ويعتبر القاضي هذا المسجد بمثابة “فعل بناء جسور” بين مختلف مذاهب الإسلام في وقت “من النادر القيام بمبادرات مماثلة”.

ويرى أن “واقع إنجازه بهذه الطريقة وفي هذا الوقت تحديدا، يبعث رسالة قوية مفادها أن هناك بديلا، بإمكانك أن تكون متدينا من دون أن تكون منغلقا”.

23