مسجد محمد علي تحفة فنية خلدت اسمه

الاثنين 2013/11/04
مسجد يؤرخ لمجد وثراء الفنون العربية الاسلامية

القاهرة- كان عصر صلاح الدين الأيوبي سجل حافل من الانتصارات الحربية والإنجازات العمرانية الإسلامية التي ظلت خالدة حتى اليوم، ومن أبرزها قلعته الشهيرة بالقاهرة، والتي ارتبطت بالعديد من الأحداث في تاريخ مصر.

ولد محمد علي سنة 1768ميلادي بمدينة "قولة" من ثغور مقدونيا، ولما بلغ أشده التحق بالجيش، وتجلت شجاعته ورقي إلى رتبة قائد فرقة، وقررت الدولة العثمانية في عام 1801م إرسال حملة تركية لطرد الفرنسيين من مصر بمساعدة إنكلترا، فانتظم محمد علي في سلك القوة البحرية التي اشتركت في واقعة أبي قير وظهر اسمه في هجوم الجيش التركي على الرحمانية التي أخذها من الفرنسيين.. ولما خرج الفرنسيون من مصر حاز على رتبة لواء وعين على أربعة آلاف جندي ألباني، ثم أرسله خسرو باشا الوالي العثماني الجديد إلي الصعيد لمحاربة المماليك، ولكن محمد علي وصل متأخراً ففكر خسرو في الغدر به، فتحالف محمد علي مع عثمان البرديسي زعيم المماليك وتمكن من عزل الوالي سنة 1803م وبحكمته وحسن سياسته تحبب إلى الشعب واستمال إليه زعماءه.

وحدثت اضطرابات في مصر انتهت بحصار الشعب المصري لـخورشيد باشا الوالي العثماني في القلعة، وطالبوا الدولة العثمانية بتعيين محمد علي باشا والياً على مصر، فصدر الأمر بولايته عام 1805م وفي سنة 1841م صدر الأمر من السلطان عبد الحميد إلى محمد علي باشا الكبير بتثبيته على عرش مصر مع إقرار حقوق الوراثة في ذريته من بعده، ويعد ذلك استقلالا بمصر عن الحكم العثماني. حكم محمد علي مصر لمدة خمس وأربعين سنة.. وبعد أن أتم إصلاح القلعة، وفرغ من بناء قصوره ودواوين المالية والجهادية والمدارس، رأى أن الحاجة ماسة إلى إنشاء مسجد لأداء الفرائض وليكون مدفناً له يخلد اسمه، فعهد إلى المهندس التركي يوسف بشناق بوضع تصميم له، ونلاحظ أن المسجد له روح مصرية متميزة فلقد قام بأعمال الحجارة والنحت والرخام عمال مصريون إلى جانب أعمال الأهلة النحاسية وطلائها بالذهب التي صنعت في بيت النخاسين بالموسكي في القاهرة.

المسجد ينقسم إلى قسمين شرقي مغطى بالقباب وغربي مكشوف

كان الشروع في إنشاء مسجد محمد علي سنة 1830م، واستمر العمل فيه بدون توقف حتى توفي محمد علي سنة 1848م فدفن في المقبرة التي أعدها لنفسه بداخل هذا المسجد الذي أكتمل بناؤه من أسوار وقباب ومنارات وكتابات تعلو الشبابيك الخارجية والداخلية، بما فيها كسوتها الرخامية على ما هي عليه الآن. وقد قام إسماعيل باشا بإصلاحه في سنة 1863م. وهذا المسجد صمم على نمط العمارة التركية وفيه برج الساعة التي أهداها لويس فيليب ملك فرنسا لمحمد علي، ويعد موقع هذا المسجد من أجمل المواقع، إذ يَشرُف على القاهرة من أعلى مكان بالقلعة مطاولا السماء بمنارتيه الرشيقتين وقبته الكبيرة ويرى من أغلب نواحي القاهرة.

والمسجد مستطيل البناء، وينقسم إلى قسمين القسم الشرقي المغطى بالقباب، والغربي وهو الصحن المكشوف تتوسطه فسقية الوضوء ولكل من القسمين بابان متقابلان أحدهما قبلي، والآخر بحري.وكسيت جدران المسجد من الداخل والخارج بالرخام الألبستر المنقول من محاجر بني سويف بصعيد مصر، وكذلك الأكتاف الأربعة الداخلية الحاملة للقبة إلى ارتفاع 11 مترا.. وتشغل الجدار الغربي دكة المؤذنين، وهي بعرض المسجد مقامة على ثمانية أعمدة من الرخام، فوقها عقود وبها أسقف ملونة ولها سياج من نحاس يوصل إليها وإلى الممر العلوي المحيط بالمسجد من سلمي المنارتين، وبدائرة المسجد من أسفل شبابيك كتب على أعتابها من الداخل أبيات قصيدة البردة.

والمحراب من الرخام الألبستر يجاوره المنبر الرخامي الذي أمر بصنعه الملك فاروق حاكم مصر قبل الثورة، وبالقرب منه المنبر الخشبي القديم بالمسجد، وهو من أكبر المنابر في الآثار الإسلامية، وقد حلي بنقوش مذهبة.. وكسيت جميع جدران المسجد أعلى الكسوة الرخامية من الداخل ببياض حلي بنقوش ملونة مذهبة، أما القبة الكبيرة وأنصاف القباب فقد حليت بنقوش بارزة مذهبة تمثل عقوداً وزهوراً يتوسطها هلال، وكتب في أضلاع القبة بالتناوب بسم الله، ما شاء الله، تبارك الله.

وإن كان مهندس الجامع قد اقتبس من مسجد السلطان أحمد بالأستانة التصميم والواجهات وشكل المنارات إلا أنه لم يقتبس منه زخارفه، ولا زخارف عصره، بل اقتبس زخارف المسجد من تلك الزخارف التي راجت في تركيا في القرن الثامن عشر ميلادي، وهي تمثل جدائل مخضرة بزهورها الملونة وبعض الفواكه، وقد حليت زوايا القباب والعقود بلفظ الجلالة ومحمد رسول الله، وأسماء الخلفاء الراشيدين بريشة الخطاط المشهور "أمين أزميري"، وفي الركن الغربي القبلي من المسجد يوجد قبر محمد علي باشا، ووضعت عليه تركيبة رخامية حولها مقصورة نحاسية مذهبة، جمعت بين الزخارف العربية والمصرية والتركية، وثبت على جدارها القبلي لوحة رخامية مكتوبة باللغة التركية تضمنت مدح محمد علي وعددت مواهبه وخدماته لمصر ومدة حكمه وتاريخ وفاته.

12