مسرحيات على طريقة المسلسلات التلفزيونية تعم الخشبات الفرنسية

الاثنين 2015/01/26
المسلسلات المسرحية تعتمد تواتر الحلقات على الخشبة

منذ سنتين تقريبا، ظهر في فرنسا نوع جديد من المسرح يعرف بالمسلسل المسرحي، وهو عبارة عن عروض تتوزع فيها المسرحية إلى حلقات متتابعة، تبدأ بالجينيريك، ثم تنتقل إلى تمثيل أحداث تتنامى حتى الذروة على خلفية موسيقى تصويرية، وتنتهي بـ”الصنّارة” التي تشدّ المتفرج، وترغّبه في مشاهدة الحلقة الموالية، التي تدور في يوم لاحق وتبدأ بالجينيرك وبصوت “off” يلخص ما جرى في الحلقة السابقة.

تجربة المسلسل المسرحي بدأها ماتيو بوير مدير المركز الدرامي الوطني بضاحية مونتروي بمسرحية “الثغرة”، ووجدت صداها لدى فرق أخرى مثل كوميديا فالانس بمسرحية “الدكتور كامنسكي” والمسرح الوطني بستراسبورغ بمسرحية “هنري السادس” والمسرح المفتوح بباريس بمسرحية “فاوستنا”.

حكايات تقوم على الإثارة والتشويق وإرجاء البقية إلى ليلة لاحقة، على غرار حكايات ألف ليلة وليلة. ثم إن المسلسلات في رأيه هي التي نهلت من المسرح أشكاله وليس العكس.

وحسبنا أن نتأمل المسرحيات التقليدية، فهي تنقسم إلى فصول ومشاهد تتوالد من رحم بعضها بعضا وتتوتر أحداثها وتتصاعد قبل الانفراج الختامي، أو ما يسميه كتاب القصة لحظة التنوير. ويهمنا أن نتوقف قليلا عند العمل المؤسس، أي “الثغرة”، لنتبين نشوءه واكتماله ونتلمس بعض ملامحه وخصوصياته.

نتأت الفكرة في ذهن ماتيو بوير في فبراير 2012 بمدينة مونبيليار بعد عرض مسرحية “رجاء اقتلني”، التي اقتبسها عن كتاب لليغس ماكنايل وجيليان ماكين حول تاريخ “البونك”. قال لأعضاء فرقته آنذاك: “أريد إعداد مسرحية لها شكل السلسلة التلفزيونية، أي عدة حلقات موزعة على عدة مواسم، جينيريك وأحداث وتطورات. لديّ عنوان، الثغرة، ومكان، مونتروي، موضوع، والسكن”.

وأقنعهم بأن تلك هي الوسيلة الوحيدة لكي لا يبقى المسرح مقصورا على الكبار وحدهم، بل ينفتح على الشباب، لما لاحظه من إقبالهم الشديد، وكذا الكبار، على المسلسلات الأميركية الأخيرة مثل “هاملاند” و”ريفانج” و”24 ساعة كرونو”.

المسرح الفرنسي بات يقدم حكايات تقوم على الإثارة والتشويق وإرجاء البقية إلى ليلة لاحقة

ويضيف بوير: “أعجبني في المسلسلات تجديدها على مستوى الشكل، وتساءلت كيف استطاع كتاب السيناريو أن يشدوا انتباه المشاهدين، ويعيدوهم إلى الشاشة الصغيرة بانتظام أسبوعا وراء أسبوع؟ وكيف يمكن خلق رابط بين الخشبة والجمهور، فيكون للمسرح بعد شعبي بالفعل؟”.

استحسن الجميع الفكرة، فبادر بوير بتكوين فريق متعدد المواهب، لإعداد الخلاصات، وإيجاد نسق السيناريو، وتهيئة المشاهد المشوقة في آخر كل حلقة، فهي التي تحدد المدة الزمنية.

منذ البداية، اتفقت الفرقة على نسيج سردي محدد مع عمليات قطع، واختارت حكاية بسيطة، ملخصها انهيار عمارة على ملجأ للمتقاعدين، فينجو من بين الأنقاض خمسة أشخاص، يجدون أنفسهم في قبو ضيق تحت الأرض، وفوقهم، كتنويع للعقدة الدرامية وإثراء لها، مدير مكتب شيخ المدينة، الذي يجد نفسه، هو يحاول مواجهة المشكل، في مواجهة من هم فوقه رتبة، إضافة إلى الصحفيين والأهالي.

الطريف أن المخرج اختار الاعتماد على ممثلين هواة، وحتى على من لم يمثل في حياته قط، مثل ماركو روزلان، وهو رجل بدين عركته الحياة، ولم تفقده السنوات الثلاث التي قضاها بلا مأوى روح الدعابة لديه، والغاية كما قال بوير إيجاد خطاب مشترك كما في المسرح القديم.

فالواقع هو أحد المكونات الأساسية للمسلسلات التلفزيونية، ولكن على الركح، لا بدّ من العناية بالنواحي الجمالية، فكان أن استعمل الكولاج، بنشر كلمات متفرقة على الأرضية، على غرار المناشير الملقاة في الشارع بعد مسيرة أو مظاهرة، وبث رسائل إلكترونية بين الحين والحين على قطع من القماش المشمع معلقة في الخلفية، مع موسيقى تصويرية تناوب في أدائها فرقة روك وفرقة نحاسية.

لم تمض سبعة أشهر، حتى كانت الحلقات الأربع الأولى جاهزة، وبدأ الإقبال بدافع الفضول، قبل أن ينجذب المولعون بالمسرح والمسلسلات عن قناعة بجدية هذه التجربة، وموضوعها الواقعي. ومنذ العرض الأول، اتخذ المسرح شكل قاعة سينما، والمسرحية شكل شريط سينمائي، مع استراحة قصيرة يدعى المتفرجون خلالها إلى التزود بالـ”بوب كورن” والمشروبات.

16