مسرحية"موت مواطن" العراقية.. ثنائية الزمن ما بين المتلقي والعرض

الأربعاء 2013/11/06
"موت مواطن" ثلاثة تقاسموا وجع وطن

أربيل- في بلد بات الموت فيه أمرا طبيعيا ولا يثير الدهشة ولا الحزن ولا الرثاء لكثرة ما يسقط على أرضه من ضحايا بأيدي منظمات شبحيّة تمتهن الإرهاب والقتل المجاني على طول البلاد وعرضها، ساحقة بذلك أناسا أبرياء لا صلة لهم بالسياسة، يأتي هذا العرض المسرحي العراقي "موت مواطن" من إخراج هيثم عبد الرزاق ليقدم جانبا من مرارة هذه الحكاية.

عرض ارتقى في منظومة أنساقه السمعية والبصرية على الضعف القائم في بنية متنه النصّي. ومشيرا بوضوح في مستويات خطابه الجمالي إلى واقع غامض ما عاد ممكنا على الإنسان أن يحقق تفاعلا وانسجاما معه بعد انحسار مساحة الحياة الإنسانية فيه أمام سلطة عمياء -بصرا وبصيرة- لجماعات وأحزاب دينية متطرفة باتت تمارس دورا قامعا للمجتمع، وتمكنت في العديد من مناطق نفوذ الدولة من زحزحة سلطتها وفرضت مكانها قوانينها.

مما أفرز هواجس جمعية وفردية متطرفة تتحرك في منظومة من مشاعر الخوف والكُره والشك والاحتقار للآخر، فضعفت أمامها الفطرة الإنسانية بما تحمله من مشاعر الرحمة والتضامن ما بين الجماعات المختلفة فيما بينها، عرقيا وطائفيا وإثنيا، فأنتج هذا الوضع المُلتبس ثقافة مغتربة عن الفرد والمجتمع. فتشظت الهوية الوطنية بمفاهيمها العامة -الاجتماعية والإنسانية- لتحل بدلا عنها هويات متعددة. هذا ما كشف عنه خطاب العرض المسرحي "موت مواطن".


إيجاز وكثافة


المرأة في هذا العرض كانت محور الحكاية -جسدت شخصيتها الفنانة القديرة إقبال نعيم- وكانت هي أيضا فاقدة للبصر لكن بصيرتها كانت معافاة من العمى، على العكس مما عليه حال الفكر المتطرف السائد في المجتمع الذي تنتمي إليه وتعيش بظله، والذي بسببه اضطرت لاختيار العزلة مع والدها -جسد شخصيته الفنان سامي عبد الحميد- وقد اختار المخرج أن يضعه في مكان مرتفع داخل الصالة التي يجلس فيها الجمهور وأحاطه بأكداس من الكتب، وكأنه بهذه العلامات أراد أن يحتفي بذاكرة حضارية لم تزل خصبة وحيّة وشامخة، رغم الدمار الذي يحيط بها ويتهددها ويتسلل إليها متذرعا بصلة الدم والقربى -جسد شخصيته الممثل فلاح إبراهيم- ولم تمنعه صلة القربى هذه من البحث عن أيّة ذريعة لقتل وتدمير ما تبقى من القيم والعلاقات الإنسانية.

جدير بالإشارة إلى أن النص الأدبي للعرض هو الأول في مسيرة الفنان هيثم عبد الرزاق في عالم التأليف للمسرح، ولهذا لم يكن من الصعب اكتشاف مواطن الضعف فيه.. في نفس الوقت لعبت خبرته الطويلة في عالم المسرح -ممثلا ومخرجا- دورا كبيرا في إنجاز كتابة النص خلال مدة قياسية لا تتجاوز 14 يوما، حسبما أكده لنا في حوار قصير دار بيننا. والخبرة المتراكمة تجلت بوضوح في مكان آخر، بعدد من العناصر الفنية التي تمكن هيثم من الإمساك بها وهو يقتحم عالم الكتابة، فطبيعة الحوار اتسمت بالإيجاز والكثافة، وهذا ما لا يتوفر لدى شخص آخر يغامر بالكتابة للمسرح لأوّل مرة، إذ سيبدو نصه على الأرجح محشوا بالكثير من الجمل الفائضة.

أمّا لغة الحوار التي اعتمد فيها على اللهجة البغدادية فقد اتسمت ببساطة مفرداتها، سعيا منه لأن يكون متطابقا مع أسلوب مسرح الواقعة في بعض خصائصه التي تؤكد على إيقاظ حافز التحريض والتأمل لدى المتلقي، فالتقى هذا الأسلوب بظلاله على سياق الرؤية الفنية التي تحرك بموجبها المخرج/ المؤلف، وهو يعرّي الواقع، مع مراهنة أسلوبية استعارها من تقنية المونتاج السينمائي، تستند على تقطيع مسار الحكاية إلى مشاهد منفصلة ومرتبطة مع بعضها البعض في آن واحد بشكل سلس ومخادع.

مشاهد منفصلة ومتصلة بأسلوب سينمائي يعرّي الواقع


تقطيع مشهدي


إنّ الانفتاح على آليات فنية متنوعة في التناول، لم يغب عن مخيلة مخرج له خبرته الطويلة والأكاديمية في تحريك أوصال اللعبة المسرحية المقطعة مشهديا، من غير أن يشعر المتلقي بحالات القطع الحادثة بين المشاهد، وقد أفرغ محتوى هذا النهج الأسلوبي في معادلٍ موضوعي/ صوري، طرح من خلاله رؤيته الفنية، وذلك من خلال لجوئه إلى استثمار خشبة المسرح والصالة معا، باعتبارهما حيزا وفضاء دراميا واحدا تحرك فيه ومن خلاله لتحقيق مناخ حميمي مع المتلقي، خاصة وأن خطاب العرض قد احتشدت فيه تفاصيل يومية حاول من خلالها أن يتكاشف ويتواجه مع المتلقي/ المواطن.يبدو لنا أن المتلقي/ المواطن قد مثّل وجوده وحضوره -أثناء العرض- علامة دالة على زمن مزدوج، في ثنائية متأرجحة، ما بين الواقع والمتخيل. فالخيط رفيع جدا بينهما، وليس من السهل رؤيته في هذا الجزء من اللعبة -التي انساق بها وساقنا إليها صانع العرض-، وبذلك تمكن من تفجير سحابة من الأحساسيس اختصر بها أسئلة باتت ملحة على الفرد العراقي خلال الأعوام العشرة الأخيرة، منذ عام 2003، بما شهدته من قتل على الهوية بعلاماتها الدينية والطائفية، وما انفكت هذه الأسئلة تداهمه في نومه وصحوه، ووضعت على مصطبة التشريح، هويته وماضيه وديانته وتاريخه.

لم ينشغل هيثم في البحث عن مفردات غريبة ومبهرة ليؤثث بها سينوغرافيا العرض، بل اكتفى بعناصر محدودة جدا تمتلك حضورا واقعيا وإنسانيا في حياة الشخصيات (غسالة ملابس كهربائية، سطل ماء بلاستيك، كرسي، ماسحة تنظيف، مجموعة من الكتب) ولم يحمل هذه الدلالات في حدود المساحة الضيقة التي لعب بها داخل العرض أكثر مما تحمله من مدلولات في الحياة الواقعية، مقابل مساحة أكثر سعة تركها للحضور الإنساني، مجسدا بالشخصيات الثلاث التي تقاسمت بنية العمل.

الحديث عن أداء الممثلين الثلاثة -سامي عبد الحميد، إقبال نعيم وفلاح إبراهيم- يكتسب خصوصيته من خلال ارتكاز العمل على بنية معمارية قائمة على استثمار عنصر الحوار في تحريك الحبكة الدرامية، لحدث واحد يشكل بؤرة النص/ العرض، وهذا ما وضع الممثلين أمام خيار صعب جعلهم يتكئون على طاقتهم الصوتية بشكل أساسي، في التعبير عن مكنونات الخطاب الفني مع تراجع ملحوظ في استثمار خامة الجسد بكل ما تحمله من علامات، وكان للخبرة الكبيرة التي يتقاسمها الممثلون الثلاثة، وفي مقدمتهم الممثل سامي عبد الحميد -بما يمتلكه من استرخاء وخامة صوتية مميزة- دور مهم في تحقيق مناخ مؤثر داخل صالة العرض، مكنت المخرج من لملمة مواطن الضعف التي كشف عنها جسد النص والتي كان من الممكن معالجتها فيما لو تمت الاستعانة بخبرة كاتب درامي محترف أو دراماتورج

16