مسرحية إبعاد عمار سعداني وحكم جماعة تلمسان

الخميس 2016/10/27

أثارت تنحية عمار سعداني مؤخرا من منصبه كأمين عام لحزب جبهة التحرير الوطني ردود فعل كثيرة في الأوساط السياسية والإعلامية الجزائرية أشبه بما أثارته من زوابع تنحية الأمين العام السابق لهذا الحزب الراحل عبدالحميد مهري، رغم الاختلاف بين الرجلين في الرصيد النضالي وفي المستوى الثقافي والحنكة السياسية، حيث كان هذا الأخير واحدا من القيادات البارزة في حركة التحرر الوطني فضلا عن كونه ذا اتجاه قومي عربي لا يخفيه عن أحد، وهو ما لا يتمتع به سعداني الذي يمكن حصر مميزاته في ما يسمى في عالم الموضة بالصرعات المثيرة.

الغريب في انسحاب سعداني هو قبوله بدور ممثل في مسرحية مُحكمة الإخراج، حيث أريد له أن يظهر نفسه أمام الرأي العام الوطني بأنه هو الذي قرر فعل ذلك بأريحية علما أن السيناريو هو غير ذلك تماما. إن طبخة إزاحة النظام الجزائري للسيد سعداني وإحلال محله جمال ولد عباس كأمين عام جديد لحزب جبهة التحرير الوطني لغاية 2020، تعني إحكام قبضة جماعة تلمسان التي يقودها الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة وأسرته على مقاليد الدولة الجزائرية تحضيرا للانتخابات الرئاسية التي تعد التحدي الكبير للنظام الجزائري.

إن خارطة المشهد السياسي الجزائري أصبحت في معظمها بين أيدي جماعة تلمسان بصفة خاصة، والغرب الجزائري بصفة عامة، وذلك بإحكام قبضتها على الأجهزة الحساسة في الدولة وفي أحزاب الموالاة أو لنقل أحزاب السلطة التي تقوم بتوفير الغطاء السياسي لكل ما يُقرَّر من صغيرة وكبيرة في البلاد. فالخريطة السياسية التلمسانية هي كما يلي: عبدالقادر بن صالح رئيسا لمجلس الأمة، جمال ولد عباس، أمينا عاما لحزب جبهة التحرير الوطني، عبدالغاني الهامل مديرا عاما للأمن الوطني، مراد مدلسي رئيسا للمجلس الدستوري، عبدالقادر مساهل وزيرا منتدبا مكلفا بالشؤون الأفريقية والمغاربية، الطيب لوح وزيرا للعدل وحافظ الأختام، والطيب بلعيز وزيرا للدولة ومستشارا خاصا لدى رئاسة الجمهورية، ونورية بن غبريط وزيرة للتربية الوطنية، وسعيد بوتفليقة أخ الرئيس بوتفليقة ومستشاره الخاص في أروقة قصر المرادية، وهو في الواقع العراب الحقيقي، من وراء الستار، لكل ما يحدث حاليا من تقلبات وتغيرات في المشهد الحزبي والحكومي بعد تعرض أخيه الرئيس للمرض الذي أقعده وحال دونه وممارسة مهامه فعليا، فضلا عن سفراء ومسؤولين كبار في مختلف أجهزة الدولة العليا الإدارية والاقتصادية والتربوية والدبلوماسية، أما قائمة المسؤولين الكبار في الدولة والذين هم من الغرب الجزائري فطويلة. بناء على هذه المعلومات ندرك أن الحكم في الجزائر، في عهد الرئيس بوتفليقة، مؤسس على العصبية الجغرافية والموالاة المطلقة حيث أن كل من يخالفه في الرأي أو في الممارسة يجد نفسه خارج “عزبة” الحكم كما يقول المصريون.

ونعود الآن لنسأل: هل تمت إقالة عمار سعداني من دون علم الرئيس بوتفليقة، كما يروج هو لذلك ومعظم الأجهزة الإعلامية الجزائرية، وفي مقدمتها تلك التي تمولها المخابرات ووزارة الإعلام، علما أنه هو رئيس حزب جبهة التحرير الوطني؟ وهل صحيح أن إجراء التنحية قد نفذ بسبب تهجمه على عبدالعزيز بالخادم، الذي أقيل أيضا من منصب الأمين العام لحزب جبهة التحرير الوطني بإيعاز من الرئيس بوتفليقة، وليس بأمر من اللجنة المركزية لهذا الحزب التي لا قدرة لها على صنع القرار، بل إن مهمتها تنحصر في تنفيذ ما يطلب منها من طرف رئيس الدولة الذي هو الرئيس الفعلي لحزب جبهة التحرير الوطني ولكافة أحزاب الموالاة ولتلك التي تسبح في فلك النظام الحاكم؟ ثم هل عوقب عمار سعداني حقا جراء هجومه على الجنرال محمد لمين مدين المعروف باسم توفيق الذي أطاح به الرئيس بوتفليقة بطريقة مهينة ولا يزال تحت الإقامة الجبرية؟

لا شك أن التأويلات التي تصب في هذا المجرى لا أساس لها من الصحة، كما أن ما يذكر من الأسباب الأخرى مثل سعي الرئيس بوتفليقة لخلق توازنات جديدة أو ضمان ترشيحه لعهدة خامسة، يراه الخبير بخبايا السياسات التي تحاك خلف الستار في الجزائر، غير مطابق للسيناريو الذي تُرسم خطوطه العريضة في سرية كاملة. فالرئيس بوتفليقة مقعد وقد لا يكمل حتى عهدته الرابعة، أما أسطورة خلق توازنات وطنية جديدة فأمر لا يقبله العقل لأن أي توجّه له صلة منطقية بهذا النمط من المشروع لا يلجأ صاحبه إلى تغليب العصبية الجغرافية الجهوية التلمسانية، بدلا من اللجوء إلى ترجيح الوازع الوطني في تشكيل طاقم الحكومة، وتعيين رئيس المجلس الدستوري، والأمين العام الجديد لحزب جبهة التحرير الوطني الذي قال عنه الوزير وعضو مكتبه السياسي السابق عبدالرحمن بالعياط بأن اللجنة المركزية لحزب جبهة التحرير غير شرعية في عهد عمار سعداني وهي اللجنة المركزية نفسها التي أمرت فور إقالته بتعيين جمال ولد عباس أمينا عاما جديدا له الذي ليس بشرعي بالنتيجة.

أكد هذا المسؤول الحزبي، وهو أحد أقطاب “الجماعة التقويمية” التي ما فتئت ترفض الوضع التنظيمي لجبهة التحرير الوطني، أن هذا الحزب في وضعه هذا لا مصداقية له ولن يفوز بالانتخابات التشريعية القادمة التي ستجري خلال ستة أشهر.

القراءة الموضوعية لتحركات النظام الجزائري، وللمشهد السياسي الجزائري الذي تحركه التناقضات الحادة، تفضي إلى ترجيح التحليل الذي يؤكد أن تنحية عمار سعداني من منصبه هي بمثابة قطع طريق له حتى لا يفاجئ بإعلان ترشيحه للرئاسة بطريقته المعروفة بغرابة أطوارها وتمهيد للشروع، بعد الانتخابات البرلمانية، في تقديم وتلميع مرشح الرئيس بوتفليقة وأحزاب الموالاة في إطار إستراتيجية مواصلة نهجه، وضمان عدم المس بمكاسب عائلته وترسيخ سيطرة سلطة جماعة تلمسان والغرب الجزائري. في هذا الإطار يرجح المحللون أن هذا المرشح القادم هو سعيد بوتفليقة أو واحد من هذه الجماعة التي لن تتخلى عن الحكم مهما كان الثمن.

كاتب جزائري

9