مسرحية إذا كنت ترغب في حضورها عليك ارتداء قفازات وخوذة

"مجتمع في طور البناء" ترصد تناقضات المجتمع من خلال حظائر البناء.
الأربعاء 2021/01/06
عمل وثائقي يبتكر شكلا من المسرح الفرجوي

ابتكر الكثير من المسرحيين أشكالا جديدة تماما للمسرح، وصلت إلى حد الخروج به عن المألوف والمعتاد وعن حدوده الفنية، إلى مجالات وفنون أخرى. حيث لم يعد المسرح لعبة يقدمها ممثلون على ركح ويشاهدها جمهور كنص لغوي ومشهدي، بل ابتعد بعضهم عن تلك البنية ليجعلوا من الجمهور هو الفاعل والمرسل والمتلقي في آن واحد.

“مجتمع في طور البناء” للسويسري ستيفان كايجي تقع بين المسرح والتخييل والأداء الذي يتجاوز الخشبة المعتادة، وصاحب هذا العرض اعتاد منذ مطلع الألفية على القيام بعمل توثيقي دقيق في مختلف المواضيع التي تشغل المجتمع ليجعل من المسرح فضاء عامّا للتبادل الديمقراطي.

ولد ستيفان كايجي في سولور بسويسرا. وبعد دراسة الفنون الجميلة في زوريخ، انتقل إلى ألمانيا حيث درس المسرح في غيسن. اتسمت أعماله بالمزج بين الواقع والخيال، ولكن في إخراج يجعل العرض يتجاوز الخيال والواقع معا. اعتاد كايجي العمل انطلاقا من بحوث ميدانية، لا يقوم بعدها بتأولها بل يعرضها تقريبا في إطار يدفع المتفرّج إلى تأولها واستخلاص معانيها.

حظيرة البناء

بعد أن استهل مسيرته الفنية بتمثيليات إذاعية لمحطات سويسرية وألمانية، أنجز كايجي مشاريع ضخمة تشغل الفضاء في ألمانيا وأوروبا الشرقية، وفي كوبا والبرازيل وكولومبيا. ثمّ أسس مع هيلغارد هوغ ودانيال فيتزل فرقة “ريميني بروتوكول” التي أبدعت عدّة أعمال لافتة، مثل “توقّف الكلمات” التي تفسح المجال أمام أربع عجائز للحديث عن تجاربهنّ في الـ”فرمولا وان”، أو “حدّ أقصى” التي تعرض خمسة خبراء يقدّمون الطرق المميزة لوضع المرء حدًّا لحياته في أوروبا الشرقية، أو “بلايبرغ وحبيبات قلبه التسع عشرة” التي خضع أبطالها لعمليات زرع قلب، أو “العرض العالمي الأول: زيارة السيدة العجوز” التي تقدم شهادات أناس عاشوا مرحلة الخمسينات.

أي أنّ ستيفان كايجي درج على تقديم الواقع من الداخل، على منوال صحافة التقصي، ولكن بطريقة مفاجئة ومبهرة، تخالف ما عرف عن المسرح. فهو دائما ما يستكشف ملامح لا يتوقّعها الجمهور عن الواقع، ليسلط الضوء على بعض المفارقات والهنات التي تشوبها، ويكشف من خلالها آثار الدواليب الاقتصادية على حياة الأفراد والمجتمع.

المسرحية جولة وثائقية عبر حظيرة سينوغرافية يلتقي فيها شهود، خبراء في القانون والبناء وحتى في علم الحشرات

 و”مجتمع في طور البناء” لا يختلف كثيرًا عن عروضه السّابقة إلا من جهة الموضوع، وقد اختار هذه المرة أن يحوّل مسرح الكوميديا بكليرمون فيرّان إلى حظيرة بناء، ودعا كل راغب في الحضور إلى التزّود وجوبًا بقفّازات وخُوَذ عمال، إضافة إلى الكمائم. كل ذلك ليبين كيف أن مواقع البناء الضخمة التي تنتشر في المناظر الحضرية، والعوالم الحقيقية للمجتمع وطرق اشتغاله، تكشف عن الأحلام الجنونية للمهندسين المعماريين، فضلاً عن تناقضات النظام الاقتصادي الذي يجمع بين القرارات العامة والمصالح الخاصة والعولمة والتنمية الترابية المحلية.

 استنادًا إلى عدد هام من الوثائق، والبحث الدقيق في تمويل تلك الأعمال الضخمة والأداء الداخلي للشركات، يجمع العرض ممثلين ومهنيين متخصصين في هذه المشاريع، ليقدّموا جملة من وجهات النظر، ومادة للجمهور تدفعه إلى التفكير، ما يجعل المسرح مكانًا للنقاش الديمقراطي، الذي غالبًا ما تتم مصادرته، لسبب أو لآخر.

يتنقل المتفرجون في أرجاء القاعة التي تحولت إلى حظيرة، بفضل تصميم سينوغرافي مدروس، فيلتقون بمهندس معماري، ومهندس مدينيّ، وامرأة أعمال، وعامل، ليكشفوا لهم عن الجوانب الخفية لهذا العمل اليومي. وهي تجربة فكر نقدي تسلّط الضوء على دواليب تلك الشركات، وتحثّ المتفرج على التساؤل عن العواقب، الفردية والجماعية، لأفكارنا وأفعالنا.

مسرح فرجوي

Thumbnail

ما يقترحه كايجي نجد صداه في الواقع، من مطار برلين الذي يرجأ إنجازه إلى أجل غير مسمى، ومشروع الطريق السريعة A3 في إيطاليا الذي لا ينتهي، والخلافات حول نفق ليون – تورينو المستقبلي، وملاعب كرة القدم في قطر، والمجمّعات الثقافية الضخمة في آسيا… وكلها تتقاطع مع نفس القضايا التي أسلفنا ذكرها، وتتسبب في استغلال العمال وظهور فضائح كبرى تتعلق بالفساد والإثراء الشخصي، من خلال ما يطرأ فيها من تأخير في تسلّم المواد وتعديل مطّرد للتكلفة، وعلاقات الترابط المعقدة بين الجهات الفاعلة العامة والخاصة، والاتصالات غير المرئية عبر العالم وغيره.

 تكشف المشاريع الكبرى عن التوترات بين القرارات العامة والمصالح الخاصة، والذكاء الجماعي والبراغماتية، وعالم العمل المدوّل والقضايا الخاصة بكل إقليم. لتوضيح ذلك، يتخيل كيجي جولة وثائقية عبر حظيرة سينوغرافية، يلتقي فيها ثمانية شهود، خبراء في القانون والبناء وتخطيط المدن والمقاولات الخاصة والمالية وحتى علم الحشرات.

 كل مجموعة من المتفرجين والمتفرجات تتنقل وتتفاعل مع الآخرين، لتمثل بدورها مختلف أدوار الفاعلين والفاعلات في مشروع بناء. ثمّ تتولى كل مجموعة تقييم العمل الذي يشغل القاعة الكبرى من عمق الركح إلى المقاعد الوثيرة، ومن الكواليس إلى الممرات التقنية، لتكتشف في كل مرة حكايات جديدة باستعمال السّمّاعات. فلا مجال عندئذ لممثلين وشخصيات أو جماهير، بل لعمال غير شرعيّين، ومستثمرين عديمي الاستقامة في عمومهم، إضافة إلى مسؤولي التنمية الحضرية أو المبلّغين عن المخالفات.

 تتداخل الحسابات الشخصية ووجهات النظر المختلفة ومصالح وكلاء صناعة البناء، وتتعارض مع بعضها بعضا في إيقاع جهنّمي على طريقة السخرة السوفييتية.

إن “مجتمع في طور البناء”، إذ يستند إلى شهادات وبحث وثائقي معمّق، يبتكر شكلا من المسرح الفرجوي، ولكنه يقود المتفرج إلى الوعي بالأسس الخفية لكل حظيرة، تلك الأسس التي تحدد الفضاء المشترك المعاصر. كيف يتحدد مستقبل الفضاءات التي نعيش فيها؟

14