مسرحية "اسم الأب"..أوديب تونسي يقع في غرام محرم

"اسم الأب" يتوارثه الأبناء ويتشوه من جيل لآخر.
الخميس 2020/02/27
الولادة الصعبة

الأب أكثر الشخصيات التي اشتغل عليها الأدب وعلم النفس والفنون بصفة عامة وحتى الأساطير والحكاؤون والسياسيون، إنها شخصية مركبة وحمالة وجوه، شخصية أقرب إلى الفكرة منها إلى كونها لحما ودما، شخصية قد لا يكفيها اسم، وهذا ما قدمته المخرجة التونسية مروة المناعي في عملها المسرحي “اسم الأب”.

قدمت المخرجة التونسية مروة المناعي مؤخرا عملها المسرحي الجديد “اسم الأب”، وهو من إنتاج مؤسسة المسرح الوطني التونسي.

تبدأ مسرحية اسم الأب بشابين مقيدين من رأسيهما بلحاف يغطي وجهيهما، ومكبلين إلى كرسي على جانب الركح، لحاف ربما كما قال بعضهم هو مشيمة الولادة، وربما هو غشاوة فحسب، من تحتها يتنفس الشابان بصعوبة، أنفاسهما متسارعة، إلى أن تندلع المواجهة بينهما، ويفترقان ليبدأ العرض.

شقيقان تجمعهما شقيقتهما بعد غيابهما الطويل عن منزل أبيهما، للحديث حول الوصية بعد وفاة الأب. المكان غير معلوم والزمن كذلك، عدا أنه ليل. وبعد الشقيقين يصل شاب ثالث، لا أحد يعرف من يكون، وفتاة أخرى شقية أو مجنونة، هي شقيقتهم التي تسكن المنزل. المنزل الغريب الذي وصل إليه الجميع بصعوبة، فيما دخوله لا يشبه خروجه، لذا كل من دخل المنزل عجز عن الخروج منه. وبقي الجميع في انتظار قراءة الوصية.

الأب بلا اسم، لكنه كان الحاكم، صاحب السلطة، الآمر في كل شيء، وابناه كل منهما يحاول وراثة عرشه. لا يهم شيء عن الأب كيف عاش فترته الأخيرة، المهم وراثة سلطته.

علاقة محرمة
علاقة محرمة

لا نعرف من يكون الأب، لكنه محور العمل المسرحي. إنه الرمز الأسطوري الذي ولدته المخرجة في العمل بأكثر من شكل، فبعيدا عن الأبوة البيولوجية، الأب هو السيد، هو الناحت لأبنائه، اليد الخفية التي تكون ثقافتهم وشخصياتهم ورؤاهم وحتى أمراض الأب المتوارثة.

فإذا كان “الأب يخفي أخطاء ابنه، والابن يخفي أخطاء أبيه” كما يقول كونفوشيوس، فإننا هنا أمام  أب متسلط، أفرغ أبناءه من ذواتهم، على اعتبار أنهم عاجزون عن معرفة مصلحتهم بينما يسطر لهم هو مصائرهم، وهذا ما جعل الأول مجرد مدمن والثاني مجرد محب للسلطة متعطش للبطش أكثر من أبيه.

ليس الأب في العمل المسرحي شخصية فحسب، بل  هو فكرة، فكرة مستمرة في التشوه من جيل لآخر، فكرة تتناسل وتتغير إلى الأسوأ على سوئها الأول.

من هو الأب؟ هذا ما يحاول معرفته الأبناء، في محاولة لإعادة معرفة أبيهم، لكل منهم صورة عنه، لكن أغلبها صور سلبية، صور الباطش. لكن ما يهم هو إرثه. وهذا ما يثبته مشهد العشاء الجماعي، الذي يأتي في انتظار فتح الوصية.

اللعنة تقود إلى صراع الإخوة على العرش الوهمي، وقتلهم لبعضهم بعضا وتشويه التاريخ كلما تقدم أكثر

 الجميع يبحث عن إرثه وينتظر قراءة الوصية. بينما الشاب الدخيل مقحم في الأحداث، ويبدأ في علاقة أخرى مع الأخت الكبرى، التي تسكن المنزل وتحفظ أسراره.

يبدأ الشاب والفتاة رحلة لعب لا تنتهي إلا بوقوعهما في الحب، واكتشاف الأخت الثانية لهما في وضع حميم، وهنا تصرخ وتنهار.

الشاب ليس إلا الأخ الثالث، ابن غير شرعي للأب، والفتاة التي وقع معها في الحب هي أخته. ويجد الأشقاء أنفسهم “على الحافة بين عالم ينهار خلفهم، وعالم لم يتشكل بعد أمامهم”، على حد قول درويش، وهذا ما يعيدنا إلى  صراع أكثر دموية.

هنا يأخذ الصراع منحى آخر، لا الفتاة مذنبة ولا الشاب أيضا. كلاهما وقع في حب الآخر. وهنا سؤال آخر تطرحه المسرحية في تفريع آخر، هو مسألة الحب وممارسته، الجسدان المتعانقان في نشوة بينما لا شيء يحرم ذلك، غير المعرفة بعلاقة الأخوة. إنه الوعي ما يخط ما يجوز ولا يجوز وليست الطبيعة، الطبيعة منذورة بأكملها للحب والتآخي والتلاحم، بينما الوعي هو ما يخلق التفرقة والقطيعة.

يرقى ما اقترفه الأخ الثالث إلى مرتبة الجريمة في نظر شقيقيه، والمأساة في نظر أختهم الكبرى، ما يحول الصراع بين الإخوة إلى دائرة أخرى، صراع له مبرره “الأخلاقي” للتخلص من الأخ الثالث، ومن ثم الصراع الثنائي على عرش الأب المشوه.

عشاء غير كل شيء
عشاء غير كل شيء

العمل في مجمله تمثل ذكي لتفريع صورة الأب حمالة الأوجه منذ أوديب وإلكترا، فتعيد المخرجة تمثل عقدة أوديب بشكل آخر، فإن كان أوديب أحب أمه فأوديب الجديد أحب أخته الكبرى.

إنها اللعنة التي لا تنتهي في صراع الإخوة على العرش الوهمي، وقتلهم لبعضهم البعض وتشويه التاريخ كلما تقدم أكثر إلى الأمام.

يبقى أن نشير إلى أن أداء الممثلين لم يكن مقنعا كثيرا، فبدا بعضهم وكأنه يصرخ في مواضع لا تستحق الصراخ، إضافة إلى طول مدة العرض نسبيا، حيث يمكن تكثيفه أكثر، والتركيز أكثر على شخصية الشقيق الثالث التي تستحق جهدا أكبر لرسم ملامحها.

ونذكر أن مسرحية “اسم الأب” دراماتورجيا نص وإخراج: مروة المناعي، وبمشاركة ممثلين من المسرح الوطني الشاب هم كل من زينب الهنشيري، مريم بن يوسف، عبدالحميد نوارة، سليم الذيب، أديب الحامدي. وسينوغرافيا شادلي عطاالله ومساعد الإخراج محمد سليم عياري.

14