مسرحية "البؤساء" تضيء ليل كراكاس الحالك

إنتاج ملحمة "البؤساء" شكل نجاحا لوجستيا وتمرّدا على الأزمة التي يعيشها الفنزويليون وهو ما أكّدته المنتجة كلوديا سالاسار التي احتاجت إلى ثلاثة أعوام لإنجاز المشروع.
الخميس 2019/11/07
سجن جماعي

تأخذ المسرحية الغنائية “البؤساء” نكهة خاصة في كراكاس، إذ يتماهى المتفرجون الفنزويليون كثيرا مع مغامرات جان فالجان وكوزيت وغافروش على خلفية الأزمة السياسية والحواجز والكارثة الاقتصادية التي تتخبط فيها البلاد.

كراكاس- يسدل الستار على مسرح “تيريسا كارينيو” في العاصمة الفنزويلية كراكاس ويغلب التأثر على الحضور، فيما يعلو التصفيق الحار في القاعة للفرقة الفنزويلية بالكامل التي تقدّم المسرحية الغنائية “البؤساء” (لي ميزيرابل)  المستوحاة من رائعة فيكتور هوغو على مدى عشرة أيام.

ويؤكد الباريتون غاسبار خافيرت أن الجمهور الفنزويلي “يتماهى بعمق” مع الشخصيات والأجواء السياسية والاقتصادية التي كانت مهيمنة على فرنسا في مطلع القرن التاسع عشر.

وتمر فنزويلا بأسوأ أزمة اقتصادية في تاريخها المعاصر. ويتوقع أن يصل التضخم إلى 200 ألف بالمئة خلال العام الحالي بحسب صندوق النقد الدولي. ويعيش الفنزويليون خارج العاصمة على وقع انقطاع التيار الكهربائي والأدوية والوقود. وتقدّر الأمم المتحدة عدد الفنزويليين الذين هاجروا إلى الخارج بأكثر من أربعة ملايين شخص.

وعلى الصعيد السياسي يحاول المعارض خوان غوايدو، الذي اعترفت به حوالي خمسين دولة رئيسا بالوكالة، إزاحة الرئيس الاشتراكي نيكولاس مادورو عن السلطة منذ يناير الماضي. وشهدت فنزويلا أيضا تظاهرات كثيرة ضد السلطة كان بعضها عنيفا للغاية.

وفي 30 أبريل والأول من مايو، قتل ستة أشخاص خلال مواجهات بين متظاهرين مناهضين لمادورو والقوى الأمنية. وعمّت البلاد بعدها تظاهرات ضخمة في وقت دعا فيه خوان غوايدو إلى التمرّد على نيكولاس مادورو.

تأثير وتأثر

آلام تتكرّر
آلام تتكرّر

قالت غابرييلا أوروبيسا البالغة من العمر 43 عاما والتي حضرت العرض إن ثمة ميزة علاجية في متابعة مغامرات السجين السابق جان فالجان في محاولته إنقاذ كوزيت وفي وفاة غافروش على المتاريس خلال الانتفاضة الجمهورية في يونيو 1832 في باريس. وأوضحت “هذه الرواية الكلاسيكية المرجعية تتكيّف مع كل الحقبات، وهي رائعة بالنسبة إلينا”.

وأكدت ماريانا غوميس التي تؤدي دورا في المسرحية “خلال التدريبات الأولى، غلب علينا التأثر الشديد، وكنا نبكي”. وهي تأثّرت خصوصا بمشهد المتاريس، وتقول الممثلة في هذا الصدد “ثمة معاناة كبيرة” من دون أن تذكر صراحة القتلى الذين سقطوا خلال التظاهرات في بلدها.

و”البؤساء” رواية للكاتب فكتور هوغو نشرت سنة 1862، وتعدّ من أشهر روايات القرن التاسع عشر، ويصف  فيها الكاتب الفرنسي وينتقد الظلم الاجتماعي في فرنسا بين سقوط نابليون في 1815 والثورة الفاشلة ضد الملك لويس فيليب في 1832. وهو الذي كتب في مقدمته للكتاب “تخلق العادات والقوانين في فرنسا ظرفا اجتماعيا هو نوع من جحيم بشري. فطالما توجد لا مبالاة وفقر على الأرض، كتب كهذا الكتاب ستكون ضرورية دائما”.

عيش طبيعي

تصف “البؤساء” حياة عدد من الشخصيات الفرنسية على طول القرن التاسع عشر الذي يتضمن حروب نابليون، مركزة على شخصية السجين السابق جان فالجان ومعاناته بعد خروجه من السجن.

وتعرض الرواية طبيعة الخير والشر والقانون في قصة أخّاذة تظهر فيها معالم باريس، والأخلاق، والفلسفة، والقانون، والعدالة، والدين وطبيعة الرومانسية والحب العائلي.

وإضافة إلى مسألة “التماهي” مع موضوع المسرحية، شكّل إنتاج هذه الملحمة نجاحا لوجستيا ومثّل تمرّدا على الأزمة، وهو ما أكّدته المنتجة كلوديا سالاسار التي احتاجت إلى ثلاثة أعوام لإنجاز المشروع.

وإلى جانب الصعوبات العديدة التي رافقت عملية الإنتاج لإيجاد مستثمرين مستعدين لتمويل مسرحية غنائية في بلد يعاني من انهيار اقتصادي، نُعتت سالاسار مرات عدة بأنها “مجنونة”. وأكدت “نحن ننتفض على هذا الوضع الذي يريدنا أن نكون منهزمين وأن يصبح كل شيء مستحيلا”.

وكانت المعركة صعبة. فمسرح “تيريسا كارينيو” ليس في أفضل حالاته. وهو الذي افتتح في العام 1983، لكنه بات اليوم يستضيف مناسبات سياسية تنظمها السلطات أكثر منه مسرحيات وحفلات موسيقية.

رواية "البؤساء" ظهرت على خشبة المسرح عبر أكثر من عرض عالمي حمل العنوان نفسه، كما تم تحويلها أيضا إلى السينما

وعندما بدأت الفرقة تتمرن في المسرح، لم يكن مكيّف الهواء يعمل. وقد دفع المنتجون كلفة إصلاحه لكنهم اضطروا إلى تقليص عدد المتفرجين من 2500 إلى 1400 شخص للوصول إلى تهوية مناسبة.

وحوّل المخرج الفرنسي روبير حسين “البؤساء” إلى مسرحية غنائية في العام 1980. وقد باتت تشكل بصيص أمل في ليل كراكاس الحالك، حيث ترغم الجريمة العالية الفنزويليين على ملازمة منازلهم عند مغيب الشمس، فيما الصعوبات المالية الجمة أدت إلى تقليص الفعاليات الثقافية.

وقال الطالب ريكاردو سكينازي البالغ من العمر 21 عاما إن مشاهدة عرض مسرحي “يجعلنا نشعر بأننا في بلد طبيعي ولو للحظة”. إلاّ أن حضور هذه المسرحية يكلف غاليا، إذ تراوح أسعار البطاقات بين 30 و65 دولارا، فيما الحد الأدنى للأجور في فنزويلا يعادل 15 دولارا.

وظهرت رواية “البؤساء” على خشبة المسرح عبر أكثر من عرض عالمي حمل العنوان نفسه، وأيضا تم إنشاء فيلم للرواية نفسها باسم البؤساء (إنتاج 2012) وقد حقّق مبيعات ضخمة حتى أن تقييمه قد وصل إلى 7.6/10، وحصل على العديد من الجوائز.

14