مسرحية "الشريط الأخير" تستعرض الذاكرة المتذبذبة لعجوز بيكيت

شكّل عرض “الشريط الأخير” لصامويل بيكيت نهاية مغامرة أقدم عليها فريديريك فرانك، مدير مسرح “الأثر” بباريس، ليجعل منه مختبرا للأعمال المسرحية الجادة، وفاء لوالده بيير فرانك، الممثل والمخرج المسرحي المعروف، فقدّم أعمالا حديثة ساهم في إخراجها وأداء أدوارها ممثلون كبار، ولكن الجمهور خذله، إذ “خلط الثقافة بالترفيه، والترفيه بالاستغباء”، كما قال. الطريف أن التجربة بدأت بهذا النص عام 2012، وها هي تنتهي به.
الاثنين 2016/05/16
توتر دائم بين الحاضر والماضي

كتب صامويل بيكيت مسرحية “الشريط الأخير” التي تعرض حاليا في مسرح “الأثر” الباريسي عام 1958، عندما أصبح مؤلفا دراميا معروفا، تلقى أعماله النجاح حيثما عرضت، أي أنها جاءت عقب مسرحياته المشهورة مثل “في انتظار غودو” و”نهاية اللعبة”، ولكن أسلوبها أقرب إلى “الساقطون جميعا”، أول مسرحية إذاعية كتبها بيكيت بالإنكليزية بطلب من “البي. بي. سي”، و”فصول بغير كلام” في جزأيها الأول والثاني.

وكان خلال تلك الفترة قد بدأ يجرب، في نطاق اشتغاله على استقطابية الكتابة الدرامية، كتابة مسرحيات كوريغرافية، حيث تتجسد الحركة وحدها وسط غياب كلي للمنطوق، وتمثيليات إذاعية تعتمد على الكلمات وحدها ولا وجود فيها للحركة، فكانت مسرحية “الشريط الأخير” في ترجمتها الفرنسية أو “شريط كراب الأخير” في لغتها الأصلية مزاوجة بين ذينك القطبين ضمن عمل واحد، ولو أن الاقتصاد في الكلام وفي الحركة يطغى عليها.

يمكن تلخيص بنية مسرحية “الشريط الأخير” في ما يلي: مقطع أول؛ فصل خال من الكلام. ومقطع ثان؛ استماع متشظٍّ -متسارع حينا ومعاد حينا آخر- لشريط مغناطيسي، تقطعه فصول صغرى بلا كلام أو قراءتين، إحداهما لعبارة على دفتر والثانية لتعريف من القاموس. والمقطع الثالث؛ فصل صغير بلا كلام يتبعه تسجيل لحديث منفرد بصوت البطل، ومقطع رابع، استماع جديد لجزء من الشريط يليه فصل صغير بلا كلام.

ورغم الجمود الركحي الظاهر، فالمسرحية تروي حكاية، في إطار السردية الدرامية التقليدية، عن كاتب عجوز يدعى كراب، يستمع إلى شريط مغناطيسي كان سجّله قبل ثلاثين سنة خلت، حينما كان على مشارف الأربعين، قبل أن يشرع في تسجيل حديث آخر، على آلة التسجيل نفسها.

ولا يلبث المتفرج أن يكتشف أن ذلك طقس من الطقوس التي دأب عليها كراب في عيد ميلاده، منذ أن كان شابّا، حيث يستعيد الوقوف عند حالته الصحية والنفسية ويسجّل الأحداث الهامة للعام المنقضي، مثلما يكتشف أن الشريط الذي يسجل فيه كراب أقواله قد يكون آخر شريط في حياته، وأن النهاية المحتومة صارت وشيكة.

هذه المسرحية، التي قدّمت في فرنسا أول مرة عام 1960 بإخراج روجيه بلين وبطولة رونيه جاك شوفّار، نهض بها عملاقان من عمالقة المسرح في أوروبا، هما المخرج الألماني بيتر شتاين والممثل الفرنسي جاك فيبر.

البطل كراب، كما يقدمه بيكيت، عجوز وحيد أشعث الشعر مشوش الهندام متهالك على مكتبه، على يمينه آلة تسجيل، وعلى يساره مكبر صوت

اختار شتاين أن يكون كراب حاضرا على الخشبة قبل دخول الجمهور إلى القاعة، في هيئة تذكّر بفلاديمير وإستراغون في مسرحية “في انتظار غودو”، سواء من جهة لباسه أو من جهة البعض من حركاته، وإن بدا الحيز الزمني هنا أكثر واقعية.

وكراب، كما يقدمه لنا بيكيت، هو عجوز وحيد أشعث الشعر مشوش الهندام متهالك على مكتبه، على يمينه آلة تسجيل، وعلى يساره مكبّر صوت، ينتظر الظلمة كي يقوّم جذعه وينهض لتسجيل “الشريط الأخير” مثلما اعتاد أن يفعل في عيد مولده كل عام، وتلك طريقة لمحاورة الرجل الذي كان، واستعادة النسخة الصوتية الأصلية لحياة طافحة بالآمال الخائبة، والعلاقات الغرامية البائدة، والإشراقات الخاطئة.

يظهر كراب في هيئة مضحكة، فثيابه ليست ثياب كاتب عجوز، بل ثياب مهرّج، ذلك أن شتاين آثر الرجوع إلى الصيغة الأولى التي وضعها بيكيت عام 1958، والتي اعتمد فيها على التمثيل الإيمائي (البنتوميم)، حيث يطغى صمت رهيب، يقطعه الممثل بحضور ركحي مهيب، يشدّ الجمهور دون حركة أو كلام، فإذا تحرك فبمقدار، وإذا تلكم فبمقدار أقل، فيتبدّى الصمت والحركة البطيئة مثل طقس لا يتغير.

وبذلك أمكن للمخرج شتاين أن يغوص بالمتفرج في عالم آخر، قديم وخارج عن الزمن في الوقت ذاته، حيث لا تبدو اللعبة الوجودية مع آلةِ تسجيلٍ عتيقةٍ مهملةً ولا غيرَ لائقة، وقد نجح المخرج في إيجاد توتر دائم بين الحاضر والماضي، بين صوت العجوز الحيّ وصوت الشاب المسجّل، وحركات الممثل المضحكة وزمجراته وأنينه، ساعده بقدر كبير أداء الممثل جاك فيبر، الذي استطاع أن ينقل غموض ذلك الرجل العجوز وهو يواجه أحلامه الماضية، ووحدته التي تسير بنفسها إلى النهاية، في تكشيرته وتذمره وأنّاته وحسراته التي تأتي في الغالب في شكل تلميح يدركه المتفرج الفطن، فيحسّ بألمه ويتعاطف في سرّه معه.

صحيح أننا لا نمسك بكل هذا الماضي الذي يعود إليه كراب، لأنه يستحضره بشكل متقطّع لا ينظمه ترتيب، ولكن موسيقى ناعمة تنسل في الخلفية توحي بدفء حانة والتماعة بحيرة تحت شمس واهنة وجمال محبوبة في عمق مركب، فيظهر كراب على همسها كمن يعيش لحظات عمره الأخيرة، مميلا رأسه على مكتب يتأرجح مثل سفينة ثملة بعبارة رامبو، إذ ينحل الشريط الأخير في وهم خرير هادئ.

16