مسرحية المنطاد مقياس لصعود اليمين المتطرف في ألمانيا

من فوق خشبة مسرح “المشاهدة” في برلين الغربية، قدم المخرج المثير للجدل هيربرت فرتش عمله الأول تحت عنون “المنطاد”، وهو الذي اعتاد في السابق على تقديم عروضه المسرحية التي أكسبته شهرة كبيرة من على مسرح “الشعب” في برلين الشرقية.
الأربعاء 2017/10/18
صورة أقرب إلى السريالية العدمية

برلين – انتقال جيوسياسي، ذاك الذي أتاه المخرج المثير للجدل هيربرت فرتش (1951)، حين عرض لأول مرة مسرحيته الجديدة المعنونة بـ”المنطاد” في مسرح “المشاهدة” في برلين الغربية، عوض عرضها كما اعتاد في سابق مسرحياته على خشبة مسرح “الشعب” ببرلين الشرقية، وهذا الانتقال له دلالات كبيرة لم تغفل عن عيون المتابعين في المدينة التي لا تزال تعاني من آثار الوحدة السياسية التي تم الاحتفال بعامها السابع والعشرين في الثالث من أكتوبر الجاري.

وبعد أن ارتفعت أسهم اليمين المتطرف في عموم ألمانيا واحتلال حزب البديل المُعادي للأجانب المرتبة الثالثة في الانتخابات العمومية، لم تعد ألمانيا الشرقية كما في السابق مأوى للحالمين باليسار، بل كشفت عن وجه عنصري عنيف وأصبحت مدينة درسدن الشرقية قلعة لهؤلاء الذين باتوا يهددون الديمقراطية الغربية، ووجدت ألمانيا نفسها أمام لغز صعود الفاشية اليمينية في الجزء الشرقي وكيفية التعامل معه.

وتأتي هذه الانتقالة للمخرج المخلص ليساريته إلى الجزء الغربي لتؤكد ازدياد الشرخ بين الألمانيتين، وتضيف مسمارا في النسيج الاجتماعي الذي آمن الجميع بتماسكه.

الاحتفاء كان كبيرا في برلين الغربية والخيبة كانت بادية على الشرقيين، أما المخلصون للقيم المسرحية الفنية البحتة فقد احتفوا جميعهم بهذا الحدث الفني الكبير الذي رسخ لنجاح مخرج اختار مسارا آخر غير تقليدي، متمسكا برؤيته التفكيكيّة للأعمال المسرحية وتقديمها بصورة أقرب إلى السريالية العدمية، حيث تقل الحوارات التي استعاض عنها بموسيقى تأتي من وراء الكواليس، غريبة الإيقاع لا يمكن تصنيفها أشبه بأصوات قادمة من أعماق البحار أو من الفضاء البعيد.

وفي “المنطاد” لم يأخذ المخرج نصا متكاملا للكاتب المجري آودون فون هارفارث (1901ـ1938)، بل اختار توليفة من أشعار ومقالات فلسفية وأعمال مسرحية للكاتب ليقدم نصا رصينا مبهرا، مُستندا بالأساس على مقولة للمؤلف يقول فيها “أغرف نصوصي من عوالم السيرك والحكايات الشعبية الخرافية”.

المسرحية تعود إلى عشرينات القرن الماضي، زمن صعود الفاشية والنازية وهزيمة الجمهوريين في الحرب الأهلية الإسبانية

وقدم العمل أربعة ممثلين وأربع ممثلات وهم يرتدون ملابس مُزركشة الألوان وبتسريحات شعر غريبة جعلت أحدهم يبدو كشخصية فرانكشتاين الأسطورية، أما وجوههم فقد كانت مُثقلة بالمكياج المُبالغ فيه حتى بات من الصعب التفريق بين الرجال والنساء إلاّ من خلال أصواتهم، وكأنه يُريد أن يوصل للجمهور أول الرسائل التي حملها هذا النص، بأننا جميعا بشر في النهاية خاضعون لنفس الشرط الإنساني الأول، لا فرق بين رجل وامرأة أو صغير وكبير، أسود أو أبيض، إلى غير ذلك من التصنيفات التي خلقناها، وبالتالي أصبحنا غير قادرين على التخلص منها بعد أن أصبحت عبئا ثقيلا علينا.

ويتحرك الممثلون كلهم ككتلة واحدة، ففي البداية يبدون وهم يلعبون الكرة بحركات كوميدية، مرحين، مُسلين إلى أن يتغلب عليهم فضولهم ويبدأون بالاقتراب من هيكل حديدي كبير لمنطاد بلا غطاء، يبدو كهيكل عظمي لحوت عملاق، تُسلط الأضواء عليه لتعكس ظله الكبير على الخلفية الزرقاء، الذي لا ينفصلون عنه، أي المنطاد، طوال العرض، إلى أن يصبحوا جزءا منه أو العكس.

فكرة العمل تعود بنا إلى العشرينات من القرن الماضي، حيث شهدت صعود الفاشية والنازية وتوج ذلك بهزيمة الجمهوريين في الحرب الأهلية الإسبانية، واستطاع الكاتب مبكرا رصد الظاهرة ونذر عمره القصير في التحذير منها، كما كان مهووسا برصد حياة البسطاء ومراقبة ما يجري عليهم من تغيير بتأثير الأحداث الكبرى التي لا يملكون بتاتا قدرة مواجهتها، وفي النهاية تحولهم إلى مخلوقات أخرى على غير ما كانوا يحلمون، وما بين الخوف من الآتي والفضول الذي لا نستطيع إزاءه شيئا يضيع هؤلاء.

رمزية المنطاد التي وضع المخرج يده عليها لها دلالة كبيرة، كونها تمثل توق الإنسان الأزلي إلى التمرد على قوانين الطبيعة التي حكمت عليه بعدم القدرة على الطيران أو التحليق في آفاق حُرّمت عليه، والمنطاد كان الخطوة الأولى في تاريخ البشرية من حيث قدرة الفكرة على ملء الفضاء بحشود البشر الطائرين والتي بدأت محاولاتها منذ ريكاردوس الإغريقي وابن فرناس وغيرهما.

بقي شيء نذكره عن المؤلف آودون فون هارفارث، وهو أنه من العبقريات المُجددة في المسرح العالمي، توفي في باريس بحادث غريب، حيث كان متطيرا ويؤمن بما تقوله العرّافات، استشار ذات مرة امرأة غجرية وأنبأته بموته القريب وبالذات في بداية العام، فأقلع بعدها عن أشياء كثيرة اعتقد بأنها تُشكل خطرا عليه ومنها الصعود بالمصاعد الكهربائية، سافر بداية السنة إلى باريس لتوقيع عقد لأحد أعماله المترجمة، وفي نهاية السهرة أراد صديقه أن يوصله إلى الفندق حيث يقيم، لكنه رفض وقال ساخرا إن ركوب السيارة به خطورة وفضل الذهاب مشيا إلى الفندق، حيث كان الجو عاصفا، وفي الطريق سقطت عليه شجرة فأردته قتيلا.. وبهذا انطفأت مبكرا موهبة فذة.

16