مسرحية النظام السوري مع الفلسطينيين في "اليرموك"

الخميس 2014/01/16

بدأت فصول مسرحية النظام السوري حول وضع المخيمات الفلسطينية على أراضيه بالتكشف، فعدا عن كون “المخيمات” ورقة ضغط في لعبته السياسية الداخلية والدولية؛ والتي تساعده على تفسير ما يتعرض إليه من مؤامرة “كونية” بحسب مزاعمه، فهي في الوقت عينه ورقة يستخدمها ضد الفلسطينيين أنفسهم، وهذا ما تثبته الأوضاع المأساوية التي يواجهها الفلسطينيون في مخيم اليرموك جنوب دمشق، والذي تعرض لحصار جزئي مع سيطرة قوات المعارضة المسلحة عليه منذ أواسط كانون الأول الماضي، وانتقل ليصبح حصارا تاما منذ ما يزيد 180 يوما، تُرك أهله يواجهون الموت بشتى الطرق، وقد وصل عدد الضحايا من الفلسطينيين حسب الإحصاءات ما يقارب 1800 شهيد إضافة إلى 109 تحت التعذيب في سجون النظام، وحوالي 49 مدنيا بين طفل وكهل وامرأة، سقطوا نتيجة الجوع أو المرض.

منذ بداية أزمة “اليرموك” طرحت منظمة التحرير الفلسطينية العديد من المبادرات من أجل إنقاذه وتحييده، ولكنها فشلت جميعها بدعوى رفض المسلحين داخل المخيم القبول بها، ولكن حقيقة الأمر أنهم لم يحصلوا على أية ضمانات بعدم قيام النظام بأي فعل غادر بحق المدنيين، كما فعل في مناطق أخرى مثل “المعضمية”، وأيضا تخوفهم من عودة المخيم ليكون رأس حربة في القتال ضدهم من خلال القوى الفلسطينية المتحالفة مع عدوهم، وهذه “القوى” بدورها؛ كانت أحد الأسباب المباشرة لتوريط الفلسطينيين وإدخالهم ميدان الصراع في سوريا، متجاوزين الإجماع الفلسطيني حول الالتزام بـ”الحياد الإيجابي” فيما يتعلق بالشأن الداخلي السوري. لقد شابت المبادرات السابقة التي تقدمت بها المنظمة، صراعات فصائلية غير معلنة بين قوى “التحالف” الفلسطيني المقربة من النظام وبين منظمة التحرير الفلسطينية، خاصة أن الأخيرة قد عادت إلى المشهد السوري بقوة بعد سنوات طويلة من الغياب القسري نتيجة خلافات جوهرية قديمة مع النظام السوري، ولكن الوضع الكارثي للأهالي المحاصرين في المخيم، دفع الهيئات الأهلية لتقديم مبادرة “مدنية” بهدف التخلص من العوائق الفصائلية، وإنقاذ المخيم وأهله من نيران معركة طاحنة أصبحت على الأبواب، بعد تقدم قوات النظام في عدة أحياء في منطقة دمشق الجنوبية مثل السبينة والذيابية وحجيرة، ووصوله إلى الأحياء القريبة من اليرموك، كما عكست تخوف الأهالي من وقوع مجزرة بحقهم بعد سماع أنباء المجازر المروعة التي تحصل في المناطق التي يستعيدها النظام.

أتت المبادرة “الأهلية” من وحي مبادرة منظمة التحرير الفلسطينية، ونصت على إخلاء المخيم من المظاهر المسلحة وانسحاب قوات المعارضة إلى خارجه، وفتح الطريق أمام حركة المدنيين والسماح بدخول المساعدات، وتشكيل لجنة من الفصائل الفلسطينية لحفظ الأمن فيه، وإطلاق سراح المعتقلين الفلسطينيين من سجون النظام الذين لم يثبت تورطهم في الصراع.

ولكن جاء الرد عليها مفاجئا ليزيد من دراما المشهد، فقد وافق عليها النظام السوري والمعارضة المسلحة ولم توافق عليها فصائل التحالف الفلسطيني. وبدأت بالتالي فصول المسرحية التي يقوم “أحمد جبريل” زعيم الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين- القيادة العامة، بالنيابة عن النظام في لعب دور البطولة معلنا على لسان متحدثه الإعلامي “أنور رجا”: بأنهم سوف يفتحون المعبر الذي تسيطر جماعته عليه في أول المخيم لخروج الأهالي بلا عودة، باعتبارهم “أهلهم” فهم فضلوا إخراجهم من بيوتهم وتشريدهم، على فتح الحاجز الذي يسيطرون عليه. وهذا الطرح يأتي انسجاما مع استراتيجية النظام التي ينتهجها لمعاقبة المدنيين في المناطق التي تسيطر عليها المعارضة إما بالحصار والتجويع، وإما بالتشريد وفي كلتيهما الموت.

هذه المرة أتى الرد من الأهالي المحاصرين، حيث خرجوا في “مظاهرة التحدي” رفضا لمشروع إخلائهم من المخيم ودعما للمبادرة الأهلية، مما اضطر “جبريل” لإعلان موافقته على المبادرة، تبعها زيارة “زكريا الآغا” يرافقه وفد من منظمة التحرير الفلسطينية للإشراف على تنفيذها، والذي حصل على موافقة النظام على إدخال مساعدات عاجلة للمخيم، ومن جديد كانت عناصر جبريل و”شبيحة نسرين” بالمرصاد ومنعت إدخالها، بذريعة أنه”لا توجد تعليمات لديهم بإدخالها”، ووجد الآغا نفسه أمام لعبة قذرة من قبل النظام وأعوانه، فرائحتها النتنة ليست جديدة عليه وهو الذي ألفها عبر التاريخ الأسود الذي واجهته منظمته في علاقتها مع نظام “الأب”، فما كان منه سوى مغادرة الأراضي السورية دون الإدلاء بأي تصريح.

على مدى شهرين بقيت المبادرة قائمة والمسرحية مستمرة مع تغيير نسبها من “أهلية” إلى مبادرة “جبريل” ثم عادت إلى “المنظمة”، وبدأت من جديد المماطلة في تنفيذها بعد انسحاب قوات المعارضة السورية، ورفضوا إدخال المساعدات وفتح المعبر بذرائع عديدة، تارة حتى يتم إزالة كل السواتر الترابية والألغام المزروعة، وتارة حتى يتم انسحاب حقيقي “للمسلحين”. وبين هذه وتلك فقد الناس الأمل وبدأوا بالتململ من استمرار الحصار على يد نظام “المقاومة والممانعة” من جهة، ومن جهة أخرى تجار الدم الذين يستغلون معاناتهم وحصارهم، فخرجوا من جديد باتجاه الحاجز حاملين أكفانهم هذه المرة ليطالبوا بتطبيق المبادرة وفك الحصار وتحييد المخيم عن الصراع السوري و”الفصائلي” على حد سواء، سقط خلالها أربعة شهداء وواجهتم عناصر الحاجز بالقنابل المسيلة للدموع تماما كما كان يحصل في فلسطين المحتلة .

في النهاية عادت موسيقى القصف واستمر الحصار ليسدل الستار على فصل المبادرة الأخيرة، وعلى أمل الفلسطينيين المحاصرين منذ عام كامل بلا محروقات للتدفئة في هذا الشتاء القاسي، مع تزايد مستمر في أعداد الضحايا من الجوع والبرد والمرض، إضافة إلى من يسقط بالقذائف والرصاص، ولازالت أوضاع المخيمات الفلسطينية في سوريا عموما، وفي اليرموك على وجه خاص، تواجه كارثة إنسانية محققة مع التزايد اليومي لضحايا الحصار.

ونتيجة التحركات الشعبية التي تجري حاليا لفك الحصار، عاد منذ أيام وفد منظمة التحرير برئاسة “أحمد مجدلاني”، وبدأ عرض “مسرحي” جديد لإدخال المساعدات، ولكن ليس من مدخل المخيم الطبيعي الذي تسيطر عليه قوات النظام خشية من “المسلحين”، بل اتفقوا على إدخالها من أبعد نقطة عنه عبر منطقة السبينة، وبالتأكيد فشلت في التقدم بسبب إطلاق النار عليها.

كل هذه الممارسات تدل حتى الآن؛ على أن التهدئة والحصار في مخيم اليرموك هما مجرد مسرحية يمد في فصولها النظام لكي يساوم عليها الجميع؛ حلفاءه ومنظمة التحرير الفلسطينية والمعارضة السورية المسلحة، وقد تكون أيضا إحدى أوراقه في جنيف2.. ربما.


كاتب وصحفي فلسطيني

8