مسرحية انترنيتية تكشف بدعابة سوداء دمار اللغة والإنسان

الاثنين 2014/11/17
مؤلف المسرحية استوحى فكرته من قصة القرصانين؛ المراهق مصطفى البسام والشاب جيك ديفيس، اللذين أدانتهما محكمة بريطانية

ربما لم نخفق من قبل في ترجمة عنوان مثل إخفاقنا في ترجمة عنوان هذه المسرحية، لا بدّ من الاعتراف أنه من الصعب الكتابة عن مسرحية رقمية باللغة العربية، فترجمة كلمة “pixel” مثلا مضحكة بالعربية.

اختار البريطاني تيم برايس، مؤلف مسرحية “جعْل برادلي مانينج راديكاليا”، الفائزة بجائزة جيمز تيت بلاك لأفضل مسرحية، عنوان Teh Internet Is Serious Business لمسرحيته الجديدة. والخطأ الإملائي واضح وضوح الشمس لكل عين تراه، ولكننا نقرأ اليوم على الإنترنت بعيون معصوبة، ولا ندقق قليلا أو كثيرا.

يقال إن الإنترنت هو أخصب المساحات الاجتماعية لسوء الفهم، هل لنا أن نخمن لماذا؟ لا أعراف تحكمه، واللغة مسلوخة. إلى أيّ مدى يسعنا تشويه اللغة، وفي الوقت ذاته إدراك ما يقال؟ لا مراء أن يوما سيأتي نضل فيه، لغويا، وثقافيا، ومجتمعيا، ولن يختلف في ذلك مَن ولد وأمامه لوحة مفاتيح، وآخر تعرف عليها في منتصف العمر.

عندما حاول مخرج المسرحية هاميش بيري نقل أكثر الممارسات عصرية إلى بقعة شهدت أعتق الفنون على الإطلاق، ألا وهو المسرح، بدت المحاولة مجازفة غير محسوبة، لا تصبّ في صالح المسرح. لا مجال للمقارنة بين مجال زمني رحب يتنقل بك شرقا وغربا بكل ما قد يدخره من إمكانات بصرية وسمعية، حية أو مسجلة، وعدة أمتار عاجزة في إطار ساعتين ونصف، لا يخدمها إلا أصوات معدودة وشاشة عرض في أفضل الأحوال.

ولكن مسرحية “الإنترنت مسألة جادة” خلت تماما -لجرأتها- من أية شاشات كمبيوتر. وبدلا من الأزرار اللامتناهية والألواح الرقمية، تبهرنا برؤية استعارية تأويلية عن فضاء إلكتروني فوضوي، بالمعنيين المكاني والمجازي. تجلّت هذه الرؤية في تصميم كلوي لامفورد لخشبة مسرح رويال كورت اللندني، إذ جلبت إلى الحياة الواقعية شعارات إلكترونية ملثمة سطعت معها المشاهد سيرياليةً، كما دسّت علامات تحذر كل متفرج من خطر الإنترنت الوشيك.

سوف تقابل مَن يسمي القرصنة السياسية “نضالا إلكترونيا”. أمّا نحن فسوف نسمي الأفعال بأسمائها. تتباين الآراء حول مدى أخلاقية “القرصنة السياسية”، إذ يعدّها خبراؤها اختراقا مبررا لإحراز كسب سياسي ووسيلة لإبداء الرأي، ويدّعون أن الغاية تبرر الوسيلة، بينما تعتقد الحكومات الغربية أنه انتهاك صارخ لأملاك الفرد وخصوصيته، وتصفه الحكومة الأميركية بالإرهاب.

مسرحية “الإنترنت مسألة جادة” خلت تماما من أية شاشات كمبيوتر. وتبهرنا برؤية استعارية تأويلية عن فضاء إلكتروني فوضوي

لا ينبغي أن نخلط القرصنة السياسية Hacktivism بالإرهاب الإلكتروني Cyberterrorism. كلاهما يستعين، وفقا لموقع “فيرست مانداي”، بالتقنيات نفسها لكن الدافع مختلف أو كذلك القضية المراد نصرتها. وقد تطورت القرصنة السياسية في السنوات القليلة الأخيرة من هجمات عشوائية بواسطة أفراد غير منظمين، إلى أسلوب منهجي ذي أيديولوجيا، يستهدف دولا بعينها، أو شركات، وأغلبها رأسمالية، والغاية منها تسليط الضوء على قضية مهضومة الحق.

غمرنا مؤلف المسرحية بستار من الدعابة السوداء حتى أنه من العسير تحديد موقفه، إذ تحفل المسرحية بنكات نابعة من شخصيات تبدو في الظاهر متجهمة غاية في الجدية، نكات قد لا يتأتى فهمها إلا لمستخدم قديم للإنترنت. ومع أن الإنترنت عالم مفتوح يرحّب بالقادم إلا أن له قواعده الخاصة ولغته الفريدة، وسوف يتعذر عليك أن تنضمّ إليه عالِما وخبيرا به منذ أول لحظة. وقد أقحم المؤلف عددا من الخدع البصرية، وأدمج رطانة لا يقف عليها إلا متحدثوها، تتنبأ بمهالك الشبكة المخيفة، دون أن يخجل من تضخيمها، والمبالغة فيها.

تُداخل المسرحية تكنولوجيا نخبوية لن ينزعج منها مراهقو الغرب. فإن كنت لا تعلم معنى كلمة أنونيموس Anonymous (شبكة عالمية من القراصنة والنشطاء الإلكترونيين)، فالعرض ليس من أجلك. مثلا يصف أحد بطلي العرض عالم القرصنة بأنه “لول (معناها ‘ضحك’ بلغة الإنترنت) لا نهاية له”.

مؤلف المسرحية استوحى فكرته من قصة القرصانين؛ المراهق مصطفى البسام والشاب جيك ديفيس، اللذين أدانتهما محكمة بريطانية لاختراق برنامج المواهب التليفزيوني إكس-فاكتور وشركة سوني اليابانية.

يعيش البطلان في منطقتين مختلفتين من بريطانيا، يكافحان للعثور على المغزى في حياتهما. وقد خامر كل شيء الابتذال، لا عن عيب، وإنما عن قصد. وفي النهاية يستعذبان الحرية والإغراء بمنأى عن روتينهما الواقعي ويتحدان أونلاين (“أونلاين” هي لغة الإنترنت) ويتصرفان بعقلية أفراد العصابة.

ومعا ينهمك الصبيان في “القرصنة السياسية”. تمتاز المسرحية بتوجيهات إخراجية معقدة حتى إنك قد تخال الأبطال يتحرّكون على هواهم وبالصدفة يلتقون، لا تتطور الشخصيات على نحو ملحوظ، ولا يستثمر المؤلف فيهم موهبته، فلا أحد يتوب، لا أحد تتكشف له رؤية، ولا ينتابك أيّ تعاطف معهم، بينما يتوالى السرد متعرجا مباغتا، فالحدث هو لبّ الإثارة، والمغامرة هي البطل لا الشخصيات.

إن “الإنترنت مسألة جادة” مسرحية مشاكسة تموج بالفكاهة اللاذعة، مزعجة من فرط ما تعلن عمّا لا يروقنا. تفضح الجانب الخبيث من السلوك الإنساني المتعذر على الكبح، ممارسات نمارسها خلف شاشات الكمبيوتر متصورين أن لا يد محاسبة ستطولنا.

16