مسرحية بريطانية عن يوم الدبابات.. و ثائر صيني واحد غير العالم

الخميس 2013/08/08
تقنيات متعددة وتوتر درامي لنص رصين وفكه

تستحق الكاتبة المسرحية البريطانية لوسي كيركوود، خريجة قسم الأدب الإنكليزي بجامعة أدنبره ومؤلفة النص المسرحي «تشيميركا»، أن تتقدم في الإشارة والتنويه على مخرجة هذه المسرحية ليندسي تيرنر، لأكثر من سبب، على الرغم من أن المسرحية مذيّلة بتوقيع الأخيرة كما هو متعارف عليه.

لعل أبرز أسباب تقديم كاتبة النص لوسي كيركوود على مخرجة المسرحية موضوع مقالنا أنها هي التي أوقدت شرارة العمل الإبداعي، حينما خطر في ذهنها «رجل الدبابة» أو «الثائر المجهول»، ذلك الرجل الصيني المحتج الذي اشتهر عالمياً في الخامس من يونيو/ حزيران عام 1989، حينما وقف وجهاً لوجه أمام أربع دبابات صينية متقدمة صوب ساحة «تيانانمن» الشهيرة مانعاً إياها من الحركة.

بَنَت كيركوود نصها المسرحي على هذه الصورة النادرة التي التقطها المصور الأميركي جيف وايدينر لمصلحة وكالة الـ»أسوشيتد برس» من شرفة في الطابق السادس لفندق بكين الذي يبعد عن الساحة مسافة الـ800 متر على وجه التحديد. ثمة صور أخرى ألتُقطت بعدسات مصورين آخرين أمثال ستيوارت فرانكلين التي فازت بجائزة «صورة الصحافة العالمية» واعتبرتها مجلة «لايف» الأميركية «واحدة من بين 100 صورة غيّرت العالم»، كما اعتبرت مجلة «تايم» الأميركية أيضاً، «الرجل الثائر» من بين أهم 100 شخص في القرن العشرين».

خلخلة التوقعات


إذاً، تتمحور قضية «رجل الدبابة» حول الاحتجاج والمطالبة بالحريات الشخصية والعامة من بينها حرية الرأي والصحافة وما إلى ذلك. غير أن الذهنية المتوهجة لكيركوود ذهبت أبعد من حدود الصورة المعبِّرة التي خلخلت التوقعات، ليس في الصين فحسب، وإنما في مختلف أرجاء العالم، فقد ربطت الحدث بين أعظم بلدين وقوتين في العالم، وهما الصين وأميركا التي نحتت منهما كلمة «تشيميركا»، حين ركزّت على الطرف الآخر، وما يحدث بين هذا المصور الصحفي الذي التقط هذه الصورة الأيقونية التي ستخلِّده في حياته ومماته، لتجعل من هذا الحدث كونياً بكل ما تنطوي عليه الكلمة من معنى. فأحداث النص المسرحي برمته تدور بين ساحة «تيانانمن» في بكين و»مانهاتن»، حيث يدور الحديث بين المصور الصحفي ومحرّر الصحيفة التي ستتفرد بنشر هذا الخبر المعزّز بأعظم صورة، غيّرت العالم كما ورد في آراء النقاد والمعلِّقين على الأحداث العالمية.

أبطال من جنسيات مختلفة لحدث غير المفاهيم


بين ساحتين


يبدو أن التفاتة كاتبة النص كانت ذكية بما فيه الكفاية، حينما اختارت مكانين في آنٍ معا وهما بكين ومانهاتن، لتقدّم لنا السلوك الحضاري لأميركا في الكشف عن كل أشكال القمع الذي يتعرّض له الإنسان في أي مكان من العالم، بما فيها الصين التي تعتبر دولة مُغلقة وعصيّة على الاختراق، كما أن أميركا تفتخر بكونها حاضنة للديمقراطية، وأنموذجاً للحريات التي يتمتع بها المواطن الأميركي مهما كان عرقه أو لونه أو دينه أو مذهبه.

وفضلاً عن هذه البنية المكانية المقصودة، فقد عادت بنا كاتبة النص أربع وعشرين سنة إلى الوراء لتنطلق من «رجل الدبابة» وعام الاحتجاج الذي حرّك المياه الساكنة، ليكشف حجم الهوّة بين البلدين المتناقضين في الرؤية والسلوك، وكأن الكاتبة تتعمّد إثارتنا كي نحتج على كل أشكال القمع والبطش والمُصادرة التي تقع في العديد من الدول الشمولية المغلقة.

وعلى الرغم من أهمية التركيز على الجانب القمعي، إلاّ أن المسرحية تأخذ مداها الزمني لتغطي حملة الانتخابات الأميركية، التي أُعيد فيها انتخاب الرئيس أوباما في إشارة واضحة إلى أن الدستور الأميركي لا يفرّق بين مواطن وآخر على مختلف الأصعدة المُشار إليها سلفا.

ولأن وقت المسرحية ثلاث ساعات، فهو طويل بما فيه الكفاية لتغطية أحداث كثيرة تشبع المسرحية وتروي غليل الجمهور الذي يعرف غالبية هذه الأحداث، لكنه يندهش للمقاربات الذكية لكاتبة النص أولاً وللمخرجة ليندسي تيرنر، حيث جسّدت رؤيتها المشتركة التي تماهت مع رؤية الكاتبة التي احتلت الصدارة حتى في إعلان المسرحية الذي تقدّمت فيه على المخرجة نفسها.

ثيمات متنوعة

لقد ناقشت هذه المسرحية أشياء كثيرة بدءاً من معاناة المصور جو سكوفيلد «ستيفن كامبيل مور» الذي تعرّض للدهم والملاحقة، وزانغ لين «بينيدكت وونغ» الذي تعرّض إلى التعذيب، وصديق زانغ الذي مات مختنقاً ومتسمماً بالدخان والغازات، وما إلى ذلك من موضوعات نعدّها ثانوية قياساً بالموضوعات الكونية التي رصدتها المؤلفة وجسّدتها المخرجة بأمانة مثل تلوث البيئة، وغزو الصناعات الصينية وغيرها من المحاور السياسية والاقتصادية والفكرية. ولكي تكتمل قصة النص المسرحي سوف تعود الكاتبة إلى «رجل الدبابة» لتتقصى أثره، فقد رَشحت أنباء تشير إلى أن «الرجل الثائر» الذي وقف وحيداً أول الأمر أمام صف الدبابات الصينية، ما يزال على قيد الحياة، حيث تأخذنا كاتبة النص بمخيلتها الواسعة إلى الجالية الصينية لتبحث عنه، وتكشف لنا عن طوعيته وماهيته الفكرية التي حفّزته لاتخاذ هذا الموقف الشجاع، وكأنه موقن تماماً بأن «موقفاً شجاعاً واحداً يشّكل دائماً غالبية!».

لابد من الإشارة إلى القدرات الفنية التي تمتلكها المخرجة ليندسي تيرنر، فقد طوّرت هذا النص الرصين وخلقت منه مَشاهد فكاهية، خفّفت من جديته إلى حدٍ ما، كما راوحت بين الاسترخاء تارة والتوتر الدرامي الذي كان يشدّ الجمهور تارة أخرى، كما أنه كان يشاهد أكثر من جنس فني في آنٍ واحد، حيث تواجدت الصورة الفوتوغرافية، وحضر الشريط السينمائي أيضاً، مسجلاً براعة بصرية لا تغادر ذاكرة المتلقي بسهولة. وفي الختام لابد من التنوية بأهمية المؤثرات الصوتية التي أشركت حاسة السمع، وشكّلت مهاداً للمَشاهد المتوترة على وجه التحديد، فيما لعبت المؤثرات البصرية دوراً كبيراً في استنطاق الأجواء الداخلية للمَشاهد الأربعين، لهذا العرض المسرحي الذي تألق فيه غالبية الممثلين وعلى رأسهم ستيفن كامبل مور، بنيديكت وونغ، كلودي بليكلي، فيرا تشوك، كارل كولنز، تريفر كوبر ونانسي كرين.

16