مسرحية تستعرض تنكّر الثورة الفرنسية لمبادئها

المسرحية تطرح عبرا يمكن أن يتوسّل بها الفرد في معاركه التحريرية، ضدّ السلطة والسياسات التي أدّت إلى الفقر والتفاوت الاجتماعي وتدمير البيئة ونهب الثروات.
الاثنين 2020/09/14
سرد مسرحي لمسار الثورة الفرنسية وتقلباتها

ما رسخ في الأذهان أن الثورة الفرنسية قامت ضدّ النبلاء وجاءت بإعلان حقوق الإنسان والمواطن، لترسي الحرية والمساواة والتآخي بين سائر البشر، غير أن مسرحية “ملعونة هذه الثورة” تكشف عن حقيقة المبادئ التي نادت بها ثم خالفتها لتفتح الباب أمام اضطهاد الشعوب.

 "ملعونة هذه الثورة" مسرحية وثائقية، تمسح قرنين من الزمان وتتنقل في ساعة، هي مدة العرض، من باريس 1789 إلى باريس 1989 مرورا بهايتي والجزائر وبوركينا فاسو، وتستعرض مواقف أعلام كثر، اختلفوا في النظر إليها، وناقضوا أنفسهم في أكثر من موضع، وجرائم العبودية والاستعمار، وتفضح مبرّراتهما البغيضة، لتفتح طريقا يبدأ من روبسبيير إلى توماس سنكارا، مرورا بإيمي سيزير وكاتب ياسين، هو طريق الحرية.

تطرح المسرحية إذن سؤالا كبيرا عن الثورة الفرنسية، هل كانت منارة أم خدعة؟ ففي الليل الكولونيالي الطويل، كثيرون من ظلوا يتنقلون من موقف إلى آخر، يتذكّرون إعلان حقوق الإنسان، ونشيد لامارسييز وكلاهما ينضح بألوان كونية، ويتذكرون أيضا احتقار الأقوياء للمزارعين واعتبارهم جهلة متخلفين ميالين إلى العنف.

لقد قامت تلك الثورة لنشر قيم الحرية والمساوة والأخوة، ثم تكشّفت ممارساتها على أرض الواقع بعكس ذلك، فهل أن رسالتها خدعة أم مجرد زينة لجمهورية عرقية، بعد أن انحرف المنتسبون إليها من قريب أو بعيد، وأغرقوا في برك من الدم انتفاضات وطنية واجتماعية، وراحوا ينشرون الحضارة بالعدّة والعتاد وبمبشّرين مدجّجين بالأسلحة؟

البطلة، نجمة، واختيار هذا الاسم ليس بريئا لأنه يحيل على بطلة رواية كاتب ياسين، هي تلميذة في الخامسة عشرة من عمرها، فرنسية من أصل جزائري، تعشق روبسبيير وتحاول أن تفهم تاريخ فرنسا وتاريخ تحرّر الشعوب، فتنظر إليهما بعين تحاول أن تتجرّد قدر الإمكان، خصوصا وهي تعرف أن يوم 8 مايو 1945 يوافق نهاية الحرب العالمية الثانية وتحرير فرنسا من قبضة النازيين، ويوافق أيضا مجزرة سطيف التي ارتكبها جيش الاستعمار الفرنسي ضد الجزائريين.

فالأحداث المسرودة، التي ينهض بها ممثلان وممثلة، تسير على هذا النحو، وتتراوح بين الشيء ونقيضه: روبسبيير الذي عارض حكم الإعدام، ثم وافق على إعدام لويس السادس عشر، قبل أن ينشر الرعب ويبطش حتى برفاقه فتعود عليه الدوائر ويلقى مصرعه.

قانون العبودية الذي ألغي عام 1794 وأعاده نابليون لحماية المستوطنين في أقاليم ما وراء البحر. قمع نابليون لثورة العبيد في جزيرة سان دومينغ (هايتي حاليا) ونفي قائدها توسان لوفرتور رغم أنه استهدى بالثورة الفرنسية، هذه الثورة التي أعدمت ملكا ورضيت بتنصيب إمبراطور. حتى فيكتور هوغو، الأديب الإنساني الذي دافع عن السود ثم تحمّس لاحتلال قارتهم بدعوى إلغاء العبودية، قائلا قبل ساركوزي في خطاب داكار “إن أفريقيا لا تاريخ لها”.

المسرحية تمسح قرنين من الزمن لتطرح سؤالا كبيرا عن الثورة الفرنسية، هل كانت منارة أم خدعة؟

كذلك كليمنصو الذي عارض جول فيري ورفض السياسة الاستعمارية، ثم لم يتردّد حينما وصل إلى السلطة في إطلاق النار على عمال مضربين، وسحق المقاومين المغاربة.

يسترجع الباحث الأكاديمي أوليفيي طونّو، مؤلف هذا النص الوثائقي، أهم المحطات التي جلّلت قرنين من الزمان، ويجعل لها خطا رابطا يصل مزارعي 1789 بـ”اليعاقبة السود” في هايتي عام 1804، وضحايا البوليس الفرنسي من الجزائريين المهاجرين في أكتوبر 1961، وثورة الشعب البوركيني الذي حوّل فولتا العليا إلى “بلد الرجال النزهاء” (بوركينا فاسو بلهجتي موري وديولا)، ليبيّن مسار الثورة الفرنسية، انتصاراتها وانكساراتها، جوانبها المضيئة التي استهدت بها شعوب كثيرة، وخيانتها لقيمها لتتحوّل إلى حروب عدوانية واستيطانية كانت لها عواقب وخيمة على شعوب كثيرة من العالم، بدءا بأوروبا نفسها، وصولا إلى القارة الأفريقية التي نشرت فيه الويل والدمار.

فالمسرحية تعيد المُشاهد إلى أصول المبادئ الجمهورية، التي تنكّر لها الجميع خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، فيما اتخذتها الشعوب المستضعفة، الخاضعة للاستعمار، راية تقاوم بها هذا الاستعمار ذاتَه، لتذكيره بانحرافه عن ثورة إنسانية أبهرت العالم.

والممثلون يسردون تلك الوقائع من خلال كتابات، بعضها ثوري لإيمي سيزير وفرانز فانون وكاتب ياسين وتوماس سنكارا، وبعضها الآخر خليط من النقد والتأييد، نقد انحراف الثورة عن مسارها الأصلي، وتأييد لسياسة بعض القادة الفرنسيين، وهي لأوكتاف ميرابو وفيكتور هوغو وكليمنصو وروبسبيير بطبيعة الحال، كأول من عارض دعم المستوطنين البيض على حساب مبادئ الثورة وقال قولته الشهيرة حين طغى المستوطنون طغيانهم “المستوطنات أولى بالهلاك من المبدأ!”.

وقد كان في أداء الممثلين، الذين تعاقبوا على تقمّص أكثر من دور، وكذلك قيمة النص، وحسن الإخراج، ما يسّر إدراك الجمهور لثورة تراوحت بين المثل العليا والحقيقة التاريخية، المؤلمة في فترات كثيرة.

تنحو المسرحية أحيانا منحى تعليميا، ولكنها تحثّ على التأمل دون نظرة مانوية تفصل الأشرار عن الأخيار، فقد يصدر الخير والشر من الشخص نفسه، بتعدّد العوامل واختلاف الظروف، وتؤكِّد على تشبّث المستعمَرين بقيم الثورة الفرنسية، ونبذهم ما انقلبت إليه.

والغاية من تأليفها كما صرّح الكاتب ليست مراجعة تاريخية للتغني بالماضي أو التنديد بمراحله المظلمة، وإنما لاستخلاص العبر التي يمكن أن يتوسّل بها الفرد في معاركه التحريرية اليوم، ضدّ السلطة والسياسات التي أدّت إلى الفقر والتفاوت الاجتماعي وتدمير البيئة ونهب الثروات.

16